استيقظ سامر في صباحٍ غائم، وكأن السماء نفسها تشاركه شعور الضغط والخوف. كان صوت المطر الخفيف على نافذة غرفته إيقاعًا ثابتًا، لكنه لم ينجح في تهدئة فكره المتسارع. جسده متعب من الليالي الماضية، وعيناه تراقبان إخوة الصغار وهم يلعبون على الأرض، ضحكاتهم البريئة ترتد في المكان وتذكّره بعالم لم يعد ينتمي إليه.
كانت أمه تتحرك بين الغرفة والمطبخ، تحاول السيطرة على الفوضى اليومية، بينما يكتفي أبوه بالمراقبة من بعيد، يقرأ الجريدة أحيانًا ويشرب قهوته بصمت، كأنه يتجاهل ما يحدث داخل ابنه.
شعر سامر بثقل كل شيء من حوله: كل فاتورة، كل وعد، وكل مسؤولية. لم يعد شابًا عاديًا، وكل تجربة مع فارس وجهاد كانت تمنحه خبرة جديدة، لكنها في المقابل كانت تكسره ببطء. كان يشعر في أعماقه أن هذا اليوم مختلف.
رنّ الهاتف فجأة. فارس.
جاء الصوت حازمًا، خاليًا من أي ود:
- سامر… العملية الجديدة جاهزة. ركّز، ولا تفكر كثير. ما حدا بيعرف عنها غيرنا.
ارتجف سامر قليلًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا. الهرب لم يعد خيارًا، والطريق الذي دخله امتد أمامه بلا عودة.
وصل إلى نقطة اللقاء في الزقاق الصناعي الذي صار مألوفًا له، لكنه بدا هذا اليوم أكثر برودة وخطورة. كانت سيارة فارس السوداء تنتظره، مصقولة بشكل مخيف، وكأنها تحذّر أي متطفل من الاقتراب. ركبا بصمت، وكل واحد يعرف الآخر، لكن الرهبة كانت تتصاعد في صدر سامر.
طوال الطريق لم يتحدث فارس، لكنه كان يرمقه بنظرات جعلت كل عضلة في جسد سامر في حالة استعداد. وصلوا إلى موقع العملية. هذه المرة لم تكن مجرد صناديق عادية. المبنى مهجور، أبوابه مصفّحة، وكل حركة فيه تخضع لنظام دقيق. رجال بملابس عادية، وجوه بلا تعابير، يتحركون بسرعة محسوبة كأنهم جزء من آلة واحدة.
قال فارس بنبرة صارمة:
- هالمرة… لو عرفتها كان تركتها. إنت بس نفّذ. لا تتأخر، ولا تتساءل.
انقبض صدر سامر. لم يكن هذا مجرد توصيل، بل اقتراب واضح من خط أحمر لم يكن يعرف حدوده.
أشار له فارس إلى باب صغير في الزاوية:
- من هون تدخل… وتطلع لحالك. أي غلطة… بتكون الأخيرة.
دخل سامر. قلبه ينبض بعنف، وكل خطوة داخل المبنى تزيد من شعوره بالذعر. الغرفة مظلمة، ورائحتها خليط من الرطوبة والدهون القديمة. أمامه صناديق كبيرة، ثقيلة، مجهولة، تحمل في ثقلها أكثر من مجرد بضائع.
رفع أحد الصناديق بحذر، وشعر بثقل لا يقتصر على الوزن، بل يمتد إلى روحه. كل خطوة كانت تزعزع حدودًا أخلاقية داخله. فجأة سمع خطوات خلفه، وشعر بحرارة في يده. أدرك أن عليه التصرف بسرعة.
كان أحد الرجال يراقبه من الظل، لم يتكلم، لكن إشارته الصامتة كانت كافية لتذكيره بأن أي خطأ سيدفع ثمنه فورًا. عندها فهم الحقيقة: هذا هو الخط الأحمر، ولو عرف ما يحمله فعلًا، لكان هرب بلا تردد.
تسارع خطوه. كل حركة كانت تسحبه أعمق نحو عالم بلا رجعة. ثم سمع صراخًا بعيدًا، صراخ ألم غير واضح المصدر. انقبض قلبه، وعرف أن هذه المرة ليست مجرد شغل، بل دخول حقيقي إلى نصف الظلام الذي يسيطر عليه فارس وجهاد.
وصل إلى المكان المطلوب، وضع الصندوق، واستدار ليغادر. على الأرض، لمح أثر دمٍ حديث. المشهد أعاد إليه كل ما حاول دفنه في داخله. صرخ داخليًا، لكنه لم يتوقف. التوقف لم يعد خيارًا.
خرج سامر، جسده يرتجف، وقلبه يلهث. أدرك أنه لم يعد مجرد ناقل، بل صار عنصرًا أساسيًا في عملية كبيرة، وعليه أن يتحمل مسؤولية أكبر مما تخيّل يومًا.
في طريق العودة، بدأت العواقب تتضح. أي خطوة غير محسوبة قد تكشفه للمحقق نادر، أو تدمّر علاقته بليان، أو تضع عائلته في الخطر.
وصلته رسالة من فارس:
- جهاد بدو يحكي معك مباشرة. ما تتأخر.
انقبض صدره. هذه المرة، جهاد لن يكون مجرد مراقب.
قاد السيارة نحو بيت جهاد، وكل متر كان يذكّره بأنه كسر خطًا أحمر لا رجعة بعده. تذكّر ليان، ضحكتها، صبرها، وكل كذبة قالها لها. الطريق الذي اختاره لم يعد حياة عادية، بل حربًا مستمرة مع الظل… ومع نفسه.
وقف أمام باب بيت جهاد، تنفّس بعمق، وشعر أن قلبه يكاد ينفجر. دخل، فوجد جهاد في انتظاره. قال بصوت منخفض وثابت:
- عرفت إنك وصلت… حان وقت نشوف شو بتقدر تعمل.
فهم سامر أن هذه الكلمات لم تكن تعليمات، بل تحذيرًا. هذه الليلة لم تكن مجرد تجربة جديدة، بل لحظة كسر نهائي للحدود.
جلس سامر، قلبه ينبض بعنف، وعيناه على جهاد. أي قرار الآن قد يغيّر حياته إلى الأبد. في تلك الليلة، دخل سامر عالمًا لا عودة منه، عالمًا لم تعد فيه خطوط حمراء… بل اختيارات قاسية بين البقاء أو الانهيار.
