الهدوء الذي أعقب عملية كسر الخط الأحمر لم يدم طويلًا. جلس سامر في سيارته يحدق في الطريق أمامه، والمطر ما زال يتساقط بخفة، لكنه لم يعد يلحظه. كل شيء بدا ضبابيًا: صوت المطر، أضواء الشارع، حركة الناس. العالم كله تحول إلى خلفية باهتة لما حدث… ولما سيحدث.
قلبه كان ينبض بسرعة، عقله مشوش، وجسده مشدود كوتر مشدود إلى آخره.
رن هاتفه فجأة. فارس. صوته كان حازمًا كعادته، لكنه هذه المرة بدا أبرد من أي وقت مضى:
- سامر… تعال عالبيت. جهاد بدو يحكي معك.
أخذ سامر نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على خوفه. كان يعرف أن أي لقاء مع جهاد بعد التجربة الأخيرة لن يكون عاديًا. الطريق إلى بيت جهاد كان مليئًا بالذكريات، كل زاوية وكل شارع يذكّره بخطواته نحو الظل، خطوة بعد خطوة.
وصل إلى المنزل الكبير في حارة شبه مهجورة. من الخارج بدا كل شيء طبيعيًا، لكن سامر كان يعرف أن الداخل يحمل اختبارًا جديدًا. دخل، فوجد جهاد جالسًا في غرفة واسعة شبه مظلمة، الضوء الوحيد يتسلل من نافذة صغيرة في الزاوية.
رفع جهاد رأسه ونظر إلى سامر نظرة اخترقت أعماقه. لم تكن مجرد نظرة مراقبة، بل كشفًا كاملًا: خوفه، ضغطه، أكاذيبه، وكل ما حاول إخفاءه عن ليان.
قال بهدوء، لكن كلماته كانت تحمل تهديدًا صامتًا:
- سمعت عن عملية اليوم. كان ممكن تهرب لو عرفت حقيقتها… لكنك بقيت. هذا جيد… نوعًا ما.
جلس سامر قبالته، قلبه يخفق بعنف، وعيناه لا تفارقان وجه جهاد. حاول أن يبدو ثابتًا، لكنه كان يعرف أن محاولته مكشوفة.
نهض جهاد وبدأ يمشي ببطء في الغرفة، وكل خطوة منه كانت تزيد الضغط في صدر سامر:
- بدّي إياك تعرف شغلة… العالم اللي دخلته مش لعبة. كل كلمة، كل حركة، كل تفكير… أنا شايفه. وأنا اللي بقرر إذا تكمل أو توقف.
بلع سامر ريقه. لم يجد كلمات، وشعر أن الصمت أقل خطورة من أي جواب.
توقف جهاد عند النافذة، نظر إلى الخارج، ثم التفت إليه:
- إنت تغيّرت يا سامر. مو بس بسبب المصاري أو المسؤولية… الخوف هو اللي غيّرك. والخوف بيخلّي الناس تعمل أشياء ما كانت تتخيل تعملها.
الكلمات أصابته مباشرة. شعر أن جسده يتصلّب، وأن أفكاره تتبعثر. عاد جهاد وجلس، وابتسامة باردة ارتسمت على وجهه:
- بدّي تثبت ولاءك. الخط الأحمر اللي كسرته؟ هذا بس البداية. إذا بدك تكمّل معنا… لازم تثبت إنك تستحق مكانك.
أشار إلى حقيبة صغيرة على الطاولة:
- هاي المهمة مو سهلة. لكنها اللي رح تفرجيني إذا إنت منّا… أو مجرد لاعب عابر. افتحها، اقرأ التعليمات، ولا تفكّر كثير. كل ثانية تأخير إلها ثمن.
فتح سامر الحقيبة بيدين مرتجفتين. بداخلها أوراق، خريطة، ملاحظات، ورمز لمكان محدد. كل شيء كان مخططًا بدقة مرعبة.
نظر إلى جهاد، وقال في داخله: لو كنت بعرف… كنت هربت.
لكن جهاد لم يحتج للكلام. ابتسامته وحدها كانت كافية: القرار لك، لكن الحساب قادم.
خرج سامر من البيت، وكل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. أضواء الشوارع بدت له كأنها تذكير دائم بالمسؤولية التي تضاعفت. التراجع لم يعد خيارًا.
في الطريق، فكّر بليان. كيف يحميها؟ كيف يبعدها عن هذا العالم؟ كل فكرة اصطدمت بالحقيقة: هو الآن جزء من لعبة أكبر من عمره، وكل خطوة تحت الظل تبعده أكثر عن حياته السابقة.
جلس في سيارته، أغمض عينيه للحظة. صور الدم، الأكاذيب، العائلة، تهديدات جهاد… كلها تراكمت في داخله كجدار خانق.
الراديو كان يعمل، لكنه لم يسمع شيئًا. فقط صوت قلبه، وأفكاره، والمطر على الزجاج.
فتح هاتفه. رسالة من فارس:
- جهاد بدو نتائجك… لا تتأخر.
ابتلع سامر ريقه. الآن فهم الحقيقة كاملة. وجه جهاد الحقيقي ظهر، ولم يعد هناك مجال للخطأ. كل خطوة، كل قرار، كل نفس… تحت المراقبة.
جلس يحدق في الظرف أمامه، مدركًا أن الطريق لم يعد شحنات وتوصيلات، بل اختبارًا دائمًا للولاء، والشجاعة، والبقاء.
وفي تلك اللحظة، أدرك أن جهاد لم يعد مجرد شخص في حياته، بل السلطة المطلقة، والتهديد المباشر، ووجه الظل الحقيقي.
كان سامر يقف على حافة اختبار الولاء النهائي، حيث أي خطوة خاطئة قد تكلفه كل شيء، ولا مكان بعدها للعودة.
