لم ينم سامر تلك الليلة.
لم يكن الأرق جديدًا عليه، لكن هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن خوفًا فقط، بل إحساسًا خانقًا بأن الأرض التي يقف عليها بدأت تتشقق من تحته. الخيانة لم تعد فكرة أو شكًا عابرًا… صارت واقعًا ملموسًا، له صوت، وله رائحة، وله عيون تراقبه من كل زاوية.
ظلّ مستلقيًا على سريره، يحدّق في السقف، يسمع أنفاس إخوته الصغار في الغرفة المجاورة، وصوت أمه وهي تتحرك في المطبخ قبل الفجر. هذا البيت، الذي كان يومًا ملاذه الوحيد، صار الآن نقطة ضعف. كل خطوة يخطوها في الخارج يمكن أن تعود عليه هنا، على هؤلاء الذين لا ذنب لهم.
رنّ هاتفه قبل الشروق بقليل.
رقم فارس.
ترك الهاتف يرنّ لثوانٍ، ثم أجاب بصوت متماسك بصعوبة:
- نعم؟
- جاهز؟
سأل فارس بنبرة هادئة أكثر من اللازم. هدوء مريب، كأنه الهدوء الذي يسبق الانفجار. - لشو؟
- في شغل… سريع. بس بدنا نخلّصه اليوم.
أغلق سامر عينيه للحظة.
كل خلية في جسده كانت تصرخ: في شيء غلط.
لكن الرفض لم يعد خيارًا. الرفض في هذا العالم يعني أنك صرت عبئًا… والعبء يُزال.
- وين؟
- ببعتلك الموقع.
أغلق الخط، وبقي الهاتف في يده، ثقيلًا كأنه قطعة حديد. فتح الرسالة، الموقع كان في أطراف المدينة، منطقة صناعية شبه مهجورة، من تلك الأماكن التي لا يسأل عنها أحد… ولا يسمع فيها أحد.
لبس بهدوء، وخرج من الغرفة دون أن يوقظ أحدًا. قبل أن يغلق الباب، نظر إلى الصالة، إلى والده النائم على الكنبة، وإلى صورة قديمة معلقة على الحائط لهم وهم أصغر. للحظة، خطر في باله سؤال بسيط ومخيف:
هل رح أرجع؟
الطريق كان خاليًا تقريبًا. الضباب الخفيف يلف الشوارع، والمدينة تبدو وكأنها تحبس أنفاسها. كل إشارة حمراء بدت أطول من المعتاد، وكل سيارة تمر بجانبه راقبها في المرآة أكثر من مرة.
وصل إلى الموقع قبل الموعد بدقائق. أوقف سيارته بعيدًا قليلًا، ونزل. المكان صامت بشكل غير مريح. مبانٍ إسمنتية قديمة، نوافذ مكسورة، وأبواب حديدية صدئة. لا حركة، لا أصوات… وهذا بحد ذاته كان إنذارًا.
ظهر فارس بعد دقائق.
لم يكن وحده.
رجلان آخران كانا معه. وجوه جامدة، أكتاف مشدودة، وحركات محسوبة.
اقترب فارس، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه.
- تأخرت شوي.
- كنت هون من بدري.
رد سامر، وهو يحاول قراءة الوضع.
أشار فارس بيده:
- تعال… الشغل من جوّا.
دخلوا المبنى. الضوء خافت، والرطوبة تخنق الصدر. خطواتهم كانت تتردد على الأرض الإسمنتية، وكل خطوة زادت توتر سامر. لم يكن هناك صناديق، ولا شحنة واضحة… وهذا ما جعل الريبة تكبر.
وقفوا في قاعة واسعة شبه فارغة.
فجأة، توقف فارس.
- سامر…
قال اسمه لأول مرة منذ فترة. - في شغلة لازم نحكي فيها.
التفت سامر ببطء، وقلبه بدأ يدق بقوة.
- شو في؟
لم يجب فارس فورًا. أحد الرجلين أغلق الباب خلفهم. الصوت المعدني للباب وهو يُغلق كان كفيلًا بتأكيد كل مخاوف سامر.
- في ناس بلّشوا يسألوا عنك.
قال فارس بهدوء قاتل. - وإنت صرت ملف ثقيل.
شعر سامر ببرودة تسري في أطرافه.
- شو قصدك؟
اقترب فارس خطوة.
- قصدي إنو الخال جهاد ما بحب المفاجآت… ولا بحب الغموض.
في تلك اللحظة، لمح سامر الحركة من طرف عينه.
يد أحد الرجلين اتجهت إلى خصره.
لم يفكر.
تحرك.
اندفع للخلف بقوة، وفي اللحظة نفسها سُحب السلاح. صوت الطلقة الأولى شقّ المكان، وارتطم الرصاص بالجدار خلفه. الغبار تناثر، والضجيج فجّر الصمت.
اختبأ سامر خلف عمود إسمنتي، أنفاسه متقطعة، وقلبه يكاد يخرج من صدره.
هذه ليست رسالة… هذه تصفية.
صرخ فارس:
- لا تقتلوه! بدنا نسمع شو عنده!
لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
الرجل الثاني أطلق النار دون تردد. رصاصة مرّت بجانب رأس سامر، وأخرى ارتطمت بالأرض قرب قدمه.
أمسك سامر قطعة حديد صدئة كانت على الأرض، رماها باتجاه أحدهم فقط ليكسب ثانية. اندفع من مخبئه، وركض باتجاه الممر الجانبي، وصوت الطلقات خلفه يطارد خطواته.
دخل غرفة صغيرة بابها نصف مخلوع. أغلقه بجسده، ودفع خزانة قديمة ليسندها. سمع الخطوات تقترب، وصوت فارس وهو يصرخ غاضبًا.
وفي تلك اللحظة… عاد إليه مشهد قديم.
ليان.
أيام المراهقة.
الدم على يده وهو يدافع عنها.
نفس الرجفة.
نفس الطعم المعدني في فمه.
لكن الفرق؟
هذه المرة لم يكن يدافع عن أحد.
كان يقاتل ليبقى حيًا.
فتح نافذة خلفية صغيرة، كسر الزجاج بمرفقه. الألم انفجر في ذراعه، لكنه تجاهله. قفز إلى الخارج، تدحرج على الأرض، ونهض وهو يعرج.
طلقة أخرى.
شعر بحرارة تخترق كتفه.
صرخة مكتومة خرجت منه، لكنه واصل الركض. دخل بين المباني، الأزقة الضيقة، القمامة، الأسلاك… كل شيء تحوّل إلى متاهة. لم يعرف كم ركض، ولا كيف، فقط ركض… إلى أن سقط خلف حاوية معدنية، أنفاسه متقطعة، والدم ينزف من كتفه.
الصمت عاد تدريجيًا.
لا خطوات.
لا أصوات.
بقي هناك دقائق… أو ساعات. لم يعرف.
عندما تجرأ ورفع رأسه قليلًا، كان المكان فارغًا. لا سيارات، لا رجال. فقط آثار طلقات، وبقع دم… دمه.
عاد إلى سيارته بصعوبة، وقاد وهو يكاد يفقد الوعي. الألم كان حادًا، لكن الألم الأكبر كان داخليًا.
فارس لم يكن مجرد خائن.
كان مستعدًا لقتله.
عندما وصل قرب بيته، أوقف السيارة بعيدًا. لم يُرِد أن يراه أحد. جلس هناك، رأسه على المقود، والدم يلطخ قميصه.
نجا.
بصعوبة.
بالمصادفة…
أو لأن أحدهم أراد له أن ينجو لسبب آخر.
رفع رأسه، ونظر إلى البيت من بعيد.
وعرف في تلك اللحظة أن الاصطدام الحقيقي لم يكن اليوم.
اليوم كان مجرد بداية.
الخط الأحمر انكسر.
والحرب… بدأت فعلًا.
