تحت الظل – الحلقة الثامنة عشرة | الإرهاق

الحلقة الثامنة عشرة
بقي جالسًا في السيارة، على بعد شارعين من منزله، والسماء فوقه رمادية، كأنها انعكاس مباشر لما يدور في داخله. يده المرتجفة ما زالت تمسك المقود، وكتفه يؤلمه مع كل نفس، لكن الألم الجسدي كان أهون بكثير من الثقل الجاثم على صدره.

لم يدخل سامر البيت فورًا.
بقي جالسًا في السيارة، على بعد شارعين من منزله، والسماء فوقه رمادية، كأنها انعكاس مباشر لما يدور في داخله. يده المرتجفة ما زالت تمسك المقود، وكتفه يؤلمه مع كل نفس، لكن الألم الجسدي كان أهون بكثير من الثقل الجاثم على صدره.

نجا.
الكلمة بدت فارغة.

النجاة لم تعنِ راحة، ولا أمان، ولا بداية جديدة. النجاة صارت عبئًا بحد ذاتها، كأنها تأجيل للحكم لا أكثر.

أنزل رأسه للأمام، جبينه ارتكز على المقود، وعقله بدأ يعيد المشهد مرارًا:
الباب وهو يُغلق.
السلاح.
الطلقة الأولى.
وجه فارس… بارد، ثابت، كأنه ينظر لشخص غريب، لا لصديق عمر.

ارتجف جسده فجأة، بلا إنذار. شهقة قصيرة خرجت منه، تلتها أنفاس متقطعة. حاول أن يسيطر عليها، لكن صدره كان يضيق، وكأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشَق.

فتح باب السيارة وخرج. احتاج دقيقة كاملة ليقف ثابتًا. نظر حوله: بيوت، أعمدة إنارة، شارع شبه فارغ.
العالم لم يتوقف… فقط هو الذي تحطم.

دخل البيت بهدوء شديد. أمه في المطبخ، إخوته الصغار يتجادلون على لعبة، وأبوه جالس كعادته أمام التلفزيون.

  • رجعت؟
    سألته أمه دون أن تلتفت.
  • آه.
    قالها بصوت منخفض، حاول أن يخفي ارتعاشه.

مرّ بجانبهم، وكل خطوة كانت معركة.
لو شافوا الدم… لو شافوا عينيّ…

دخل غرفته وأغلق الباب ببطء. أسند ظهره عليه، ثم انزلق إلى الأرض. لأول مرة منذ فترة طويلة، لم يحاول أن يكون قويًا. ترك جسده يسقط، وترك رأسه ينحني.

لم يبكِ.
كان التعب أعمق من الدموع.

خلع قميصه بصعوبة. الجرح في كتفه ما زال ينزف قليلًا. لفّه بقطعة قماش دون عناية حقيقية، وكأنه يعاقب نفسه.
هذا أقل شيء.

جلس على السرير، ونظر إلى يديه.
يداه اللتان حملتا صناديق.
اللتان استلمتا أظرف المال.
اللتان ارتجفتا اليوم تحت صوت الرصاص.

فجأة، شعر بدوار.
الغرفة دارت حوله.
أصوات بعيدة تداخلت: صراخ، طلقات، صوت فارس، صوت جهاد، صوت ليان.
الصور انفجرت في رأسه دفعة واحدة.

أغمض عينيه…
ولم يعد في غرفته.

كان في الزقاق القديم.
ليان تصرخ.
الشاب يندفع نحوها.
هو يقف بينهما.
ضربة.
دم.

الدم نفسه…
نفس اللون…
نفس الرائحة.

فتح عينيه بفزع.
يتنفس بسرعة، يده على صدره، كأنه يمنع قلبه من الهروب.

  • مش هون… مش هون.
    همس لنفسه، لكنه لم يقتنع.

حلّ الليل ببطء.
لم يخرج من غرفته للعشاء. أمه طرقت الباب مرة، قال إنه تعبان.
لم تكذب… لكنها لم تعرف الحقيقة.

تمدّد على السرير ظانًّا أن النوم سيأتي سريعًا. جسده كان مرهقًا، مثقلًا، كأنه حمل سنوات في يوم واحد.
لكن النوم لم يأتِ.

وحين أتى… لم يكن رحيمًا.

رأى نفسه يركض، وقدماه ثقيلتان.
الرصاص يمرّ من حوله.
فارس يضحك.
جهاد يقف في الظل ويصفّق ببطء.

ثم ليان…
تنظر إليه بخوف.

  • شو صرت؟

صرخ.
استيقظ مذعورًا، عرقه يبلل الوسادة، أنفاسه متكسرة، وصدره يؤلمه كأنه تلقى ضربة.

جلس، واحتضن رأسه بيديه.
أنا عم أنهار.

مرت الأيام التالية ثقيلة.
في الشغل، كان حاضرًا بجسده فقط. يحدق في الفراغ، ينسى أبسط الأمور. زميله ناداه أكثر من مرة ولم يسمع.

حين وبّخه المدير، لم يشعر بشيء. لا غضب، لا خوف… فقط فراغ.

فارس لم يتصل.
وكان هذا أسوأ شيء.

الصمت صار تهديدًا بحد ذاته.

ليان حاولت التواصل.
رسائلها كانت قصيرة، مترددة:

  • طمّني.
  • سامر، أنا قلقة.
  • إنت مش طبيعي.

قرأها… ولم يرد.
لم يكن قادرًا.

في إحدى الليالي، فقد السيطرة تمامًا.
كان جالسًا في الصالة، وإخوته يلعبون. أحدهم أسقط كأسًا زجاجيًا.

الصوت كان حادًا… مفاجئًا.

سامر انتفض، قفز واقفًا، وصرخ:

  • انبطحوا!

البيت تجمّد.
الأطفال توقفوا.
أمه نظرت إليه بذهول.
أبوه أطفأ التلفزيون.

  • شو بك؟!
    صرخت أمه.

سامر نظر حوله، وكأنه يراهم لأول مرة. أدرك ما فعل.
العار ضربه بقوة.

  • آسف… آسف.
    قالها وهو ينسحب بسرعة إلى غرفته، أغلق الباب، وانهار.

جلس على الأرض، ظهره للحائط، وركبتاه إلى صدره.
وهذه المرة… بكى.

بكاء صامت، ثقيل، يخرج من مكان عميق جدًا.
بكى لأنه خائف.
بكى لأنه لم يعد يعرف نفسه.
بكى لأنه لم يعد يعرف كيف يخرج.

في تلك اللحظة، رن هاتفه.
رقم غريب.

تردد… ثم أجاب.

  • سامر؟
    صوت هادئ، رسمي.
  • معك نادر.

تجمد الدم في عروقه.

  • مين؟
  • المحقق نادر.

سكت سامر.
الكلمات علقت في حلقه.

  • ما تخاف… مش جاي أهددك.
    تابع نادر بهدوء.
  • بس واضح إنك تعبان. وأنا بعرف إنك شفت شي… ويمكن أكتر مما لازم.

أغلق سامر عينيه.
حتى القانون صار يعرف.

  • إنت بمرحلة خطيرة،
    قال نادر.
  • واللي بصير فيك طبيعي. بس إذا ضلّيت هيك… رح تنكسر.

لم يرد سامر.
لكن لأول مرة… لم يُنكر.

أنهى المكالمة وهو يرتجف.
جلس في الظلام، وحيدًا، محاصرًا من كل الجهات:
الشبكة.
الخيانة.
العائلة.
ليان.
نفسه.

الإرهاق لم يعد تعبًا.
صار تشققًا داخليًا.
كل شيء فيه بدأ يتفكك… ببطء، بصمت، وخطورة.

وفي أعماقه، كان يعرف:
إذا لم يتوقف هذا الانهيار…
القادم لن يكون مجرد كابوس.

تحت الظل – الحلقة الثامنة عشرة | الإرهاق
تحت الظل – الحلقة الثامنة عشرة | الإرهاق

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات

اكتشاف المزيد من متجر أدونيس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق