في الصباح، لم يستيقظ سامر من النوم… بل خرج منه بالقوة.
كأن أحدهم سحبه من قاع مظلم ورماه فجأة في الضوء. عيناه انفتحتا، لكن عقله تأخر عن اللحاق. ثوانٍ طويلة مرّت قبل أن يدرك أين هو، وقبل أن يتذكر أن الكوابيس انتهت… مؤقتًا فقط.
الغرفة كانت صامتة.
لكن الصمت لم يكن مريحًا. كان ثقيلًا، خانقًا، مثل انتظار شيء سيئ لا تعرف متى سيقع.
جلس على السرير، ظهره منحني، كتفه يؤلمه، رأسه يطن.
مدّ يده إلى الهاتف… عشر رسائل غير مقروءة.
كلها من ليان.
قرأ الأولى ببطء:
– سامر… أنا مش قادرة أستنى أكتر.
الثانية:
– إنت عم تختفي وأنا عم أضيع.
الثالثة:
– إذا في شي غلط… قول. أسوأ شي إنك تخليني أتخيل.
آخر رسالة كانت قبل نصف ساعة:
– أنا جاية عندك.
قلبه هبط فجأة.
عندك؟
يعني على البيت.
وقف بسرعة، شعر بالدوار، أمسك حافة السرير حتى لا يسقط. نظر حوله، كأنه يبحث عن مخرج غير موجود. لم يكن جاهزًا. لم يكن قادرًا. لكنه أيضًا… لم يعد يملك خيار الهروب.
سمع صوت باب البيت يُفتح.
ضحكة خفيفة لأحد إخواته.
ثم صوتها.
– صباح الخير.
صوت ليان كان هادئًا… أكثر من اللازم.
الهدوء الذي يُخيف.
وقف سامر مكانه. خطواتها تقترب، وكل خطوة كانت مثل عدٍّ تنازلي. لم يتحرك. لم يختبئ. فقط وقف، ينتظر الاصطدام.
طرقت الباب.
طرق خفيف، محترم… لكنه حاسم.
– سامر؟
فتح الباب.
كانت واقفة أمامه. شعرها مربوط بعشوائية، عيناها مرهقتان، فيهما سهر وقلق وألم. نظرتها لم تكن غاضبة… كانت متفحصة، كأنها تقف أمام شخص تحاول التأكد إن كان ما يزال هو.
– ممكن نحكي؟
قالتها بهدوء.
دخلت الغرفة وجلست على الكرسي، وهو بقي واقفًا. لاحظت فورًا الشاش الملفوف على كتفه.
– شو هذا؟
سألت، ونبرتها تغيّرت.
– ولا شي… شغل.
قالها تلقائيًا. كذبة جاهزة.
لكنها لم ترد.
قامت من مكانها، اقتربت، ومدّت يدها ولمست الشاش برفق.
– هذا مو شغل،
قالت.
– هذا جرح.
سحب يده بسرعة.
– ليان، خلّينا—
قاطعته.
– لا.
نظرت إليه مباشرة في عينيه.
– خلص كذب.
الكلمة نزلت ثقيلة.
خلص.
جلس سامر على السرير، وكأنه فقد فجأة القدرة على الوقوف. مرّر يده على وجهه، وشعر أن كل شيء داخله ينهار.
– أنا بعرف،
قالت بهدوء قاتل.
– ما بعرف كل التفاصيل… بس بعرف إنك داخل بشي خطر. بعرف إنك عم تكذب. وبعرف إنك عم تضيع.
سكت.
هذه المرة لم يكن الصمت دفاعًا… كان اعترافًا.
جلست أمامه.
– سامر… شو صاير؟
رفع رأسه ببطء.
عيناه حمراوان، متعبتان، مكسورتان.
– لو حكيت…
قال بصوت مبحوح.
– رح أدمّرك معي.
هزّت رأسها.
– إنت دمّرتني لما سكت.
الكلمات أصابته مباشرة.
لم يجد ردًا.
تنفست بعمق، ثم قالت:
– بدي الحقيقة. مش كاملة… بس صادقة.
ظل ينظر إلى الأرض.
مرّت دقائق.
ثم بدأ يحكي.
لم يقل كل شيء.
لم يقل أسماء.
لم يقل تفاصيل.
لكنه قال ما يكفي ليُسقِط الجدار.
قال إنه تورّط.
قال إنه صار ينقل شغلات ما لازم تننقل.
قال إن في ناس أخطر مما كان يتخيل.
قال إنه انخدع.
وقال—بصوت انكسر—إنه خاف.
ليان لم تقاطعه.
كانت تسمع فقط.
وعندما انتهى، لم تبكِ فورًا.
– وأنا؟
قالت.
رفع رأسه.
– شو؟
– أنا وين بهالحكاية؟
صوتها ارتجف.
– أنا كنت حياتك… صح؟
سكت.
هذا السؤال لم يكن له جواب بسيط.
– كنت،
قالها أخيرًا.
– وما زلت… بس—
– بس صرت أنا الخطر،
أنهت الجملة عنه.
وقفت.
مشت خطوتين، ثم توقفت.
– بتعرف شو أصعب شي؟
قالت وظهرها له.
– مش إنك تورّطت، ولا إنك خفت. أصعب شي إنك قررت تحميني بالكذب.
التفتت إليه، والدموع أخيرًا نزلت.
– أنا ما طلبت بطل. طلبت شريك.
اقتربت، وضعت يدها على صدره.
– وهذا القلب… مو ملكك لحالك.
انهار.
لم يستطع التماسك أكثر.
غرق وجهه بين يديه، وبكى… بكاءً حقيقيًا، عميقًا، بلا صوت تقريبًا.
لم تلمسه.
تركته يبكي.
وعندما رفع رأسه، كانت دموعها هي الأخرى تنزل.
– سامر…
قالت بصوت هادئ.
– إذا ضلّيت بهالطريق، رح تموت. يا جسديًا… يا من جوّا.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
– وأنا ما بقدر أكون شاهد على هذا.
الكلمات كانت واضحة.
لم تقل: «رح أتركك».
لكنها قالت ما هو أقسى.
– بديك تختار،
قالت.
– إمّا تطلع… أو تطلعني من حياتك.
وقف بصعوبة.
اقترب منها خطوة، ثم توقف.
– ما فيني أطلع بسهولة،
قال بصدق.
– في ناس… في دم… في تهديد.
نظرت إليه بصدمة.
الآن فقط أدركت حجم الورطة.
– يعني أنا بخطر؟
سألت بهمس.
تجمّد.
هذا السؤال كان السكين.
لم يجب.
لكن عينيه قالتا كل شيء.
تراجعت خطوة.
– خلص،
قالتها بهدوء غريب.
– هذي الحقيقة.
اتجهت نحو الباب.
وقبل أن تفتحه، توقفت.
– أنا بحبك،
قالت دون أن تلتفت.
– بس الحب لحاله ما بينقذ.
وخرجت.
بقي سامر واقفًا في منتصف الغرفة، كأنها أخذت معها آخر شيء كان يربطه بالعالم الطبيعي.
الصوت في البيت عاد.
الحياة استمرت.
لكن بالنسبة له…
هذه كانت بداية النهاية.
ليس لأن ليان عرفت،
بل لأن الحقيقة، لأول مرة، خرجت من الظل…
ولم يعد بالإمكان إعادتها.
