لم تغب ليان طويلًا.
خرجت من البيت، مشت في الشارع كأنها تمشي داخل حلم سيّئ، وكل خطوة كانت تجرّ خلفها أسئلة أثقل من قدرتها على الفهم. الهواء كان باردًا، لكنه لم يخفف النار التي في صدرها. الحقيقة التي سمعتها لم تكن كاملة، لكنها كانت كافية لتغيّر شكل سامر في عينيها.
أما سامر…
بقي واقفًا مكانه طويلًا بعد أن أُغلق الباب خلفها. لم يتحرك. لم يجلس. لم يفكر حتى. كأنه تُرك فجأة في فراغ بلا صوت.
سمع أمه تناديه من المطبخ:
– سامر؟ كل شي تمام؟
– آه يمّا… شوي تعبان.
قالها تلقائيًا. كذبة صغيرة أخرى، لكنها هذه المرة بلا طعم.
دخل غرفته وأغلق الباب. جلس على الأرض، ظهره للحائط، وأخرج هاتفه. أصابعه كانت ترتجف وهو ينظر إلى اسم ليان. فكّر أن يتصل. فكّر أن يرسل رسالة. فكّر أن يذهب خلفها.
لكن الخوف شلّه.
الخوف لم يكن منها.
كان عليها.
مرّت ساعات.
النهار انكسر ببطء، الضوء تغيّر، والبيت هدأ. إخواته ناموا، أبوه دخل غرفته، وأمه أطفأت الأنوار واحدة تلو الأخرى.
سامر بقي مستيقظًا.
قرابة منتصف الليل، وصلته رسالة واحدة فقط:
– لازم نحكي.
قرأها عشر مرات.
لم يسأل أين.
لم يرفض.
كتب:
– وين؟
الرد جاء سريعًا:
– نفس المكان.
المكان…
المقعد الخشبي تحت الشجرة، جنب الملعب. المكان الذي كان يومًا آمنًا.
لبس بهدوء، خرج من البيت دون صوت، وساق سيارته ببطء. الطريق كان شبه فارغ، أضواء الشارع باهتة، والمدينة تبدو متعبة مثله.
وصل قبلها. جلس على المقعد، نظر إلى الأرض، يحاول أن يجهّز نفسه لكلام لا يعرف كيف يبدأه. قلبه كان يضرب صدره بقوة، وكتفه يؤلمه، لكن الألم الأكبر كان انتظارها.
ظهرت بعد دقائق.
لم تركض.
لم تتردد.
مشت بثبات، وجلست على الطرف الآخر من المقعد، تاركة مسافة صغيرة بينهما. المسافة كانت أقسى من أي كلمات.
سكتوا.
دقيقة…
دقيقتين…
ثم قالت بهدوء:
– أنا خايفة.
لم تكن كلمة كبيرة، لكنها خرجت من قلبها مباشرة.
رفع رأسه ونظر إليها.
– وأنا.
قالها بصراحة مؤلمة.
هزّت رأسها.
– الخوف عندي مو عليك بس… عليّ أنا. على حياتي. على مستقبلي. على الناس اللي بحبهم.
تنفّس بعمق.
– أنا ما كنت ناوي أجرّك لهون. كنت مفكّر إني عم أحميك.
ضحكت ضحكة قصيرة، حزينة.
– هاي أكتر جملة سمعتها من ناس دمّروا بعض.
سكت.
عرف أنها محقّة.
– سامر…
قالت، ونظرتها كانت ثابتة، قوية رغم الدموع التي لمعت في عينيها.
– إنت مش بس متورّط. إنت عم تغرق. وكل مرة تحكيلي إنك مسيطر، بحس إنك عم تغرق أكتر.
مدّ يده، تردّد، ثم وضعها على طرف المقعد بينهما. لم يلمسها.
– أنا بحاول أطلع،
قال.
– بس الطريق مو بإيدي.
نظرت إلى يده، ثم إلى وجهه.
– طيب إذا مو بإيدك… ليش بعدها ماسك؟
الكلمة ضربته.
فتح فمه، ثم أغلقه. لم يجد جوابًا.
– أنا بحبك،
قال فجأة، كأنه يمسك بشيء أخير قبل السقوط.
– بحبك أكتر من أي شي.
أغلقت عينيها للحظة، وكأن الكلمة أرهقتها بدل أن تطمئنها.
– الحب اللي بخوّفني… ما بدي إيّاه.
اقترب خطوة.
– ليان… إذا بعدتي، رح أخسر آخر شي نظيف بحياتي.
نظرت إليه بحدّة هذه المرة.
– وإذا ضليت… رح أخسر نفسي.
وقف.
وقفت هي أيضًا.
صارا متقابلين.
لا لمس.
لا صراخ.
فقط مسافة قصيرة محمّلة بكل ما لم يُقَل.
– في ناس بدهم يدمّروك،
قالت.
– وفي ناس ممكن يدمّروك أكتر إذا قربوا مني.
تجمّد وجهه.
– حدا حكى معك؟
سكتت ثانية واحدة أطول من اللازم.
كانت كافية.
– مين؟
سأل بصوت منخفض، خطير.
– مش مهم،
قالت بسرعة.
– المهم إنو الخطر صار حقيقي. مو فكرة.
أدار وجهه بعيدًا.
قبض فكه.
الخيط بدأ يضيق.
– سامر…
قالت بصوت مكسور.
– أنا مو قوية لهالدرجة. ما بقدر أعيش كل يوم وأنا مستنية مكالمة تقول إنك اختفيت… أو أسوأ.
استدار إليها.
عيناه امتلأتا بشيء يشبه اليأس.
– شو بدك مني؟
سأل.
تنفست بعمق.
– بدك تعرف الحقيقة؟
هزّ رأسه.
– بدّي سامر اللي بعرفه. وإذا ما بقدر يرجع… بدّي أطلع قبل ما أتكسّر معه.
مدّت يدها أخيرًا ولمسته على صدره.
– هذا مش تهديد. هذا حماية.
أغمض عينيه.
لم يُبعد يدها.
ولم يمسكها.
اللحظة امتدّت.
ثم سحبت يدها.
– أنا رح أضل قريبة… بس مش جوّا،
قالت.
– إذا قررت تطلع، بتلاقيني. وإذا ما قدرت… لا تلومني.
خطت خطوة للخلف.
ثم أخرى.
– دير بالك على حالك،
قالت بصوت منخفض.
– لأنك إذا وقعت… ما رح يكون في حدا يشدّك.
استدارت ومشت.
هذه المرة لم تلتفت.
سامر بقي واقفًا وحده، تحت الشجرة نفسها التي شهدت أجمل لحظاتهم… وأقسى مواجهاتهم. شعر بأن قلبه انقسم إلى نصفين:
نصف يريد الجري خلفها،
ونصف يعرف أن الجري الآن قد يقتلها.
صراع الحب والخوف لم ينتهِ.
لكنه تغيّر.
لم يعد سؤال: «نكون سوا أو لا».
صار سؤالًا واحدًا:
مين رح ينجو؟
وفي الظل…
كان هناك من يراقب هذا الصراع،
ويستعد لاستغلاله.
