تحت الظل – الحلقة الرابعة عشرة | المحقق نادر يقترب

الحلقة الرابعة عشرة
تذكّر الليلة الماضية، كيف حمل الصندوق الكبير، وكيف شعر بثقل كل خطوة، وكيف كان كل نفس يملأ رئتيه خوفًا وقلقًا. كان يعلم أن فارس لن يتوقف عند هذا الحد، وأن جهاد يراقبه ويختبره، يراقب قدرته على التحمل والسيطرة والاستمرار في لعبة لا يعرف حدودها.

بدأ اليوم مثل أي يوم آخر، لكن سامر كان يعرف في داخله أنه ليس يومًا عاديًا. الاستيقاظ كان أثقل من المعتاد، وكل حركة، كل نفس، وكل لمسة للهواء بدت وكأنها محكومة بالخوف.

جلس على حافة السرير يراقب إخوة الصغار وهم يركضون بين الغرفة والمطبخ. أصواتهم العالية منحتْه شعورًا غريبًا بالمسؤولية. هو الذي كان يومًا شابًا عاديًا يتحرك في الشارع بلا أعباء كبيرة، أصبح اليوم منقادَ الخطوات داخل عالم مظلم مليء بالمخاطر.

دخلت أمه غرفته تسأله عن الفطور، فاكتفى بابتسامة باهتة وقال:

  • تمام، بعد شوية.

لم يكن ذلك مجرد تأجيل، بل محاولة لشراء بعض الوقت لإعادة ترتيب أفكاره قبل أن يبدأ يوم جديد في عالم الظل.

تذكّر الليلة الماضية، كيف حمل الصندوق الكبير، وكيف شعر بثقل كل خطوة، وكيف كان كل نفس يملأ رئتيه خوفًا وقلقًا. كان يعلم أن فارس لن يتوقف عند هذا الحد، وأن جهاد يراقبه ويختبره، يراقب قدرته على التحمل والسيطرة والاستمرار في لعبة لا يعرف حدودها.

خرج من البيت متجهًا نحو السيارة. المطر يتساقط برفق على الزجاج، كأنه مرايا صغيرة تعكس القلق والخوف داخله. كل شارع يمر به، كل سيارة بجانبه، وكل ظل يختفي ثم يظهر، جعله يشعر أن العالم كله يراقبه.

وصل إلى الزقاق الخلفي حيث نقطة اللقاء المعتادة مع فارس، لكن اليوم لم يكن فارس وحده. وقف قرب السيارة السوداء يراقب الرجال من حوله، وجوه بلا تعابير، صامتون، وحركاتهم دقيقة كأنهم جزء من آلة واحدة.

رفع الصندوق مرة أخرى. ثقل في ظهره، ضغط في صدره، وقلب ينبض بسرعة. حاول التركيز في المهمة، في حركة يديه، في طريقة النقل، لكنه شعر أن كل خطوة تخونه، وكل نظرة تكشفه.

وفجأة، اجتاحه إحساس غريب. شعور بأنه مراقَب، ليس فقط من فارس أو جهاد، بل من مكان آخر، أعمق وأدق. كان الخطر أقرب من أي وقت مضى.

ثم حدث ما لم يكن مستعدًا له.

بينما كان يحرك الصندوق، انزلقت يده على أحد الأكياس، وسقطت قطعة معدنية صغيرة. رنّ الصوت على الأرض، قصيرًا لكنه كافٍ.

رفع رأسه بسرعة، شعر أن كل شيء قد انكشف. توقف الرجلان من حوله لحظة، ثم استدار أحدهما يتفقد المكان دون أن يقول شيئًا.

لكن سامر شعر بما هو أخطر من الكلام. إحساس داخلي واضح: هناك من يراقبه بعيدًا عن أعين الجميع.

لم يكن ذلك الإحساس وهمًا.

في تلك اللحظة، كان المحقق نادر في الخارج، يربط خيوطًا جمعها على مدى أسابيع. رسائل مجهولة، سيارات تتحرك في أوقات غريبة، وأسماء تتكرر أكثر مما يجب. الصورة بدأت تتضح في ذهنه.

عاد سامر إلى السيارة وقلبه يخفق بعنف. العرق يتصبب، وكل حركة بدت وكأنها تحت المجهر. لاحظ فارس توتره وقال بنبرة حازمة:

  • ركّز، ولا تسمح لأي شعور يسيطر عليك.

فهم سامر أنه لم يعد مجرد ناقل. كل حركة، كل قرار، وكل نفس صار له وزن، وفي المقابل، أي خطأ قد يكون كارثة.

قاد السيارة بحذر شديد، متأكدًا أنه مراقَب. كل منعطف هزّه من الداخل. حاول أن يبدو هادئًا، لكن عقله كان مشغولًا بمواجهة محتملة مع نادر.

عند وصوله إلى مكان التوصيل، لاحظ ضوءًا خافتًا في زاوية بعيدة، ظلًا يتحرك بسرعة ودقة. قلبه قفز. لم يعرف إن كان خيالًا أم مراقبة حقيقية.

سلّم الصندوق، استلم الظرف، لكنه لم يفتحه هذه المرة. كل شيء حوله أصبح تهديدًا.

في طريق العودة، اشتد المطر، وكل قطرة على الزجاج بدت كأنها تعدّ الوقت المتبقي قبل المواجهة.

وصلته رسالة من فارس:

  • جهاد يريدك الليلة. لا تتأخر.

شعر بالرهبة. جهاد، الرجل الذي يعيد تشكيل حياته، والذي يعرف كل خطوة وكل ضعف.

وفجأة، عاد الإحساس نفسه. شخص يراقبه، لكن ليس من عالمه. من الخارج. من القانون.

تذكّر نادر.

وقف عند إشارة ضوئية، قلبه ينبض بعنف. حاول أن يهدأ، لكن الظلال التي يتحرك فيها لم تعد آمنة.

دخل البيت سريعًا. أمه في المطبخ، أبوه أمام التلفزيون، إخوة صغار يركضون. حياة طبيعية… إلا داخله.

جلس على حافة السرير، ينظر إلى الظرف، وإلى المطر، ويتذكر ليان. الجميع صاروا جزءًا من ضغطه وخوفه وذنبِه.

رن الهاتف. فارس:

  • لازم تكون مستعد. جهاد ينتظرك، ونادر يقترب. أي خطوة غلط… كل شيء ممكن ينكشف.

تجمّد الدم في عروقه.

لم يعد شابًا تائهًا في عالم غامض، بل لاعبًا في لعبة كبيرة، حيث كل خطوة تحدد مستقبله، وكل نفس قد يكون الأخير قبل السقوط.

في تلك اللحظة، أدرك سامر أن المحقق نادر لم يعد مجرد اسم في الخلفية، بل خطرًا حقيقيًا، وأن العالم الذي بناه حوله… بدأ ينهار من الداخل.

تحت الظل – الحلقة الرابعة عشرة | المحقق نادر يقترب
تحت الظل – الحلقة الرابعة عشرة | المحقق نادر يقترب

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات

اكتشاف المزيد من متجر أدونيس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق