في عام 2018، كانت الفكرة الأولى لمشروع متجر أدونيس، وكان أحد الأسباب الأساسية التي دفعتني إلى التفكير في المشروع آنذاك هو النقاش حول ما سُمّي بـ “الولاء في الثقافة”؛ أي محاولة ربط تمويل المؤسسات والفنانين بمدى “ولائهم” للرواية الرسمية للدولة. بمعنى أبسط: بدلاً من أن يكون دعم الثقافة والفن جزءًا من حق المجتمع في التعبير والإنتاج والإبداع، يتحول الدعم إلى أداة ضغط: إذا كان فنك مناسبًا للسلطة، تُدعَم، وإذا كانت روايتك أو موقفك أو حتى السؤال الذي تطرحه لا ينسجم معها، فقد يُقطع عنك التمويل ببساطة.
في ذلك الوقت، كان واضحًا بالنسبة إلي أن المشكلة لا تكمن فقط في قانون قد يُمرَّر أو لا يُمرَّر، بل في الفكرة نفسها: عندما يعرف الفنان أو المسرح أو المؤسسة الثقافية أن وجودهم المادي مرتبط برضا وزير أو حكومة، تبدأ الحدود بالتشكل مسبقاً لما يمكن أن يُكتب، ويُقال، ويُعرض. ومن هنا كان أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها أدونيس: الاستقلال المادي جزء من الاستقلال الثقافي، والدعم الحقيقي للفن يجب أن يكون دعمًا غير مشروط بالموقف السياسي أو بالرواية التي تريح السلطة.
ونحن لا نتحدث هنا عن خوف نظري. رأينا ما حدث مع محمد بكري وفيلم “جنين جنين”، من منع وملاحقات قضائية استمرت سنوات طويلة. ورأينا المعارك ضد تامر نفار ومحاولات الضغط على الجهات والمراكز التي تستضيف عروضه، وحتى قصة ميري ريغيف الشهيرة عندما غادرت حفل جوائز أوفير بسبب إلقائه كلمات لمحمود درويش. ورأينا واحدة من أوضح الأمثلة مع مسرح الميدان في حيفا، عندما استُخدم التمويل كوسيلة ضغط بعد مسرحية “الزمن الموازي”، وأسهم تجميد الميزانيات فعليًا في شلّ المسرح وضرب قدرته على الاستمرار.
واليوم نرى مستوى أخطر مع فيلم “نازا” للمخرجين يوفال أبراهام وراحيل تسور. بعد فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، وبسبب المحتوى الذي عرضه حول حرب غزة، وصل الرد من وزير الثقافة ميكي زوهار إلى الحديث عن العمل على سحب الجنسية من المخرجين. أي أننا لم نعد فقط أمام نقاش من نوع “الدولة لا تريد تمويل هذا الفن”، بل أمام انتقال إلى فكرة أخطر بكثير: إذا أنتجت فنًا أو رواية تعتبرها السلطة موجهة ضدها، فقد تتحول حتى شرعيتك كمواطن إلى موضوع تهديد.
منذ البداية وحتى اليوم، كان كل الإنتاج الذي أنجزناه في أدونيس إنتاجًا مستقلًا ومن دون دعم مالي، ونحن لا نكتب هذا الكلام لأن أدونيس يطلب اليوم منحة أو لأنه مرتبط بميزانية معينة. على العكس، ربما هذا تحديدًا ما يتيح لنا أن نراقب الصورة من الخارج بشكل أوضح. ونحن، عامًا بعد عام، نرى أن حتى مصادر الدعم المستقلة أو دعم الشركات والمؤسسات للثقافة تتراجع، وهذا بالنسبة إلي خطر حقيقي، لأن الاستقلال لا يعني أن نترك الفنان يدبر أمره وحده، والمسرح يموّل نفسه، والكاتب يطبع من جيبه، والمخرج يبحث عن طريقة لإنجاز فيلم بلا ميزانية.
الفن يحتاج إلى المال. المسرح يحتاج إلى المال. السينما تحتاج إلى المال. الكتب، والموسيقى، والمهرجانات، والمعارض، والمساحات الثقافية كلها تحتاج إلى دعم مادي وعيني ولوجستي. وإذا اختفت مصادر الدعم المستقلة، يصبح الفنان أمام خيارين سيئين: إما ألا ينتج، أو أن يعود للاعتماد على الجهة صاحبة المال، ومع الوقت يبدأ بسؤال نفسه قبل كل عمل: هل يمكن أن يؤدي هذا الموضوع إلى قطع التمويل عني؟
ولهذا أطلب من جميع أصحاب القرار في الشركات، والمؤسسات، والصناديق، والجهات الاقتصادية: أعيدوا النظر في موقع الثقافة ضمن مسؤوليتكم المجتمعية، وزيدوا دعمها المادي والعيني واللوجستي، وخاصة للمشاريع والمؤسسات الثقافية المستقلة. دعم الثقافة ليس رعاية لفعالية تنتهي بانتهائها، وليس مجرد شعار شركة على ملصق؛ بل هو جزء من حماية قدرة المجتمع على إنتاج روايته، والنقد، وطرح الأسئلة، والاعتراض، والتخيّل.
لأن المعادلة في النهاية بسيطة جداً: لا دعم = فنون أقل. وفنون أقل = مساحة أكبر لرواية السلطة وحدها.
وغياب الفن المستقل، في النهاية، لا يخدم الشعب. بل يخدم الحاكم.
