استفاق سامر على صوت أمّه وهي تناديه بنبرة معتادة، لكنها بدت اليوم أثقل من أي وقت مضى. أصوات إخوته الصغار كانت تملأ البيت، صراخ أحدهم على لعبة سقطت، وضحك الآخر بلا توقّف. أصوات عاديّة، لكنها كانت تذكّره بحجم المسؤولية التي صارت على عاتقه. لم يعد مجرّد شاب يعيش يومه، بل الشخص الذي يُفترض أن يحمل البيت على كتفيه، يدفع الفواتير، يهتمّ بالإخوة الصغار، ويكون سندًا لأبوين بالكاد يلاحظان التغيّرات الصغيرة التي تحدث في حياته.
جلس على حافة السرير، ونظر إلى الظرف الذي استلمه من التوصيلة الثانية. المبلغ الكبير لم يعد أرقامًا فقط، بل وزنًا يضغط على قلبه. تذكّر محاولاته السابقة لإقناع أبيه بالزواج من ليان، وكيف كان الواقع يصرخ في وجهه دائمًا:
- ما في مصاري يا سامر. إذا بدك تتزوجها، لازم تكون قادر تدفع.
الآن، المال جاء بسرعة، لكن بثمن أكبر، ومسؤولية أثقل، وخوف جديد لم يعرفه من قبل.
نزل إلى السفرة. أبوه منشغل بنشرة الأخبار، وأمّه تتحرّك بين المطبخ والطاولة، وإخوته الصغار يركضون حولها. قالت أمّه:
- قوم إفطر قبل ما تروح.
جلس معهم، لكنه لم يأكل. كل لقمة كانت تعلق في حلقه، وكل ضحكة من إخوته كانت تضغط على صدره، وتذكّره بأنّ عليه أن يكون مسؤولًا عن كل شيء.
جمع أغراضه وهمّ بالخروج. أوقفته أمّه عند الباب:
- سامر… وجهك أصفر. فيك شي؟
- لا يمّا… بس تعبان شوي.
نظرت إليه بحذر، حاولت لمس جبينه، لكنه تراجع خطوة دون قصد.
- أنا منيح… لا تخافي.
وصل إلى بيت الخال جهاد، المكان الذي صار يشعر فيه دائمًا بأنّه تحت امتحان. الباب الحديدي الثقيل أُغلق خلفه بصوتٍ رنّ في المكان الفارغ. في الداخل، جلس جهاد على كرسي جلدي قديم، ظهره مستقيم، يمسك مشطًا خشبيًا، ونظره ثابت على سامر.
- تعال يا سامر… اقعد.
صوته منخفض، لكنه يملأ المكان.
جلس سامر بحذر. قلبه يدقّ بسرعة. كل شيء بدا كاختبار مباشر. جهاد لم يكن مجرّد خال، بل قوّة صامتة تفرض حضورها بلا نقاش، تصنع قواعدها بنفسها، وتعرف ما يحتاجه الشخص قبل أن يعرفه هو نفسه.
بدأ جهاد بالحديث عن التجارب السابقة، عن التوصيلات، عن المبالغ، وعن سلوك سامر. كل كلمة كانت ضغطًا جديدًا، وكل نظرة اختبارًا خفيًا. ثم قال بهدوء بارد:
- اليوم بدي أشوفك بموقف أصعب. مش مجرّد توصيل، ولا مجرّد صندوق. اليوم بدي أعرف إذا بتقدر تتحمّل… إذا بتعرف تتحرّك تحت الضغط… وإذا بتقدر تكون جزء من اللعبة.
شعر سامر بأنّ جسده كلّه مشدود. عقله يبحث عن مخرج، لكن جسده كان مقيّدًا. كلمات جهاد لم تكن تعليمات، بل امتحان بقاء، واختبار ولاء، وقياسًا لحدوده الداخليّة.
جلس صامتًا، يراقب كل تفصيل في وجه خاله، كل حركة في يده. وفجأة، عاد إليه مشهد قديم، يوم حاول إقناع أبيه بالزواج من ليان، ورفضه بسبب المال، وشعوره بالعجز حينها. أدرك الآن أنّ المال الذي جاء بسرعة لم يعد وسيلة فقط، بل سلاحًا ذا حدّين، يمنحه قوّة، ويحبسه داخل شبكة لا خروج منها بسهولة.
وفي مكان آخر من المدينة، كان المحقّق نادر يجلس خلف مكتبه، يربط الخيوط الصغيرة. ملفات، ملاحظات عن تحرّكات غريبة، شحنات مشبوهة. كل شيء كان يشير إلى شاب يتحرّك في الظل. كل توصيلة، كل صندوق، وكل شخصية غامضة بدأت تتقاطع مع حياة سامر، جعلت نادر يشكّ بأنّ هذا الشاب جزء من شبكة أكبر، وأنّ أي خطوة خاطئة قد تكشف أكثر ممّا ينبغي.
عاد سامر إلى واقعه، وعاد التوتّر يسيطر عليه. جهاد كان يراقبه بعين لا تفوّت شيئًا. كل كلمة زرعت فيه شكًا جديدًا، وخوفًا أكبر، وإحساسًا بأنّه لم يعد يملك حياة طبيعية. كل خطوة داخل عالم الظل كانت تبعده أكثر عن البيت، عن أهله، عن إخوته، عن ليان… وعن نفسه.
بعد صمت طويل، قال جهاد:
- سامر… أنا مش هون لأخاف عليك. أنا هون لأشوف إذا بتقدر تتحمّل الحقيقة، وإذا بتقدر تكون مسؤول عن كل شي… حتى عن الظلام اللي اخترته بإيدك.
لم يجرؤ سامر على الرد. كلمات جهاد كانت ثقيلة، وأفكار حياته التي تتغيّر بسرعة أثقلت صدره. وللمرّة الأولى، بدأ يشكّ بنفسه فعلًا: هل يستطيع الاستمرار؟ هل يقدر على تحمّل هذا الطريق؟ وهل ستبقى ليان إلى جانبه لو عرفت الحقيقة؟
عاد إلى ذهنه صوت أمّه، وضحكات إخوته، والفواتير المتراكمة. كلّها صور جعلته يشعر بأنّ العالم الذي يعرفه ينهار ببطء، وأنّه يقف على حافة هاوية.
بعد اللقاء، خرج سامر من بيت جهاد، ركب سيارته، وعقله يغلي بالأسئلة. كل رسالة من ليان، كل صوت من إخوته، كل خطوة في الظل، وكل حركة من المحقّق نادر، كانت تتراكم داخله، وتثقل قلبه أكثر فأكثر.
اليوم، بعد لقاء جهاد، وبعد أن أدرك حجم مسؤوليته الحقيقيّة، وبعد أن عرف أنّ هناك من يراقبه فعلًا، بدأ الشك الأوّل يتسلّل إلى قلب سامر.
شكّ لن يختفي بسهولة، وسيكون حجر الأساس للصراع الداخلي الأكبر الذي ينتظره.
