منذ أن خرج سامر من بيت جهاد، لم يفارقه إحساس ثقيل بأنّ شيئًا ما يتحرّك في الظل، شيئًا أقرب ممّا يتخيّل. لم يكن الخوف هذه المرّة من الشغل نفسه، ولا من الدم، ولا حتّى من المحقّق نادر الذي بدأ يقترب… كان الخوف من فارس.
الفكرة بحدّ ذاتها أزعجته. فارس كان أوّل من مدّ له يده، أوّل من فتح له باب المال السريع، أوّل من قال له:
- ما تخاف.
لكن الآن… الصوت نفسه صار يحمل معنى آخر.
في ذلك الصباح، استيقظ سامر على رسالة قصيرة:
“اليوم بنقعد سوا. لحالنا.”
المرسل: فارس.
قرأ الرسالة أكثر من مرّة.
كلمة “لحالنا” كانت جديدة في قاموس فارس.
عادةً، كل شيء يمرّ عبر جهاد، أو على الأقل يُذكر اسمه.
اليوم؟ فارس يطلب لقاءً خاصًا.
خرج من البيت بهدوء. أمّه كانت نائمة، وإخوته الصغار لم يستيقظوا بعد. البيت هادئ، لكنّه شعر وكأنّه يتركه خلفه مسافة أبعد من مجرّد شارع. في الطريق، تذكّر بداياته مع فارس: ضحكة سهلة، حديث عن فرص، وعود بسيطة. لم يكن هناك تهديد، ولا ضغط. كان كل شيء يبدو كخيار… لا كفخ.
وصل إلى المكان. مقهى صغير على طرف المدينة، غير معروف، وغير مزدحم. فارس كان جالسًا، قهوته أمامه، وسيجارته مطفأة في الطفاية. ملامحه جامدة، مختلفة. لم يبتسم حين رآه.
- اقعد.
كان صوته هادئًا… أكثر من اللازم.
جلس سامر، وحاول أن يحافظ على ثباته.
- خير؟
نظر فارس إليه نظرة طويلة، كأنّه يقيسه من جديد.
- سمعت إنّك صرت مهم.
الجملة نزلت باردة.
- الشغل هو الشغل.
ابتسم فارس ابتسامة صغيرة، بلا أي ودّ.
- لا، سامر. الشغل صار إنت.
سكت سامر.
أكمل فارس:
- جهاد بلّش يعتمد عليك. ناس صارت تمرّ من خلالك. وهذا…
مال إلى الأمام قليلًا.
- …ما كان بالحسبان.
لأوّل مرّة، شعر سامر أنّ فارس ليس إلى جانبه… بل في مواجهته.
- إنت اللي دخلتني.
- صحيح.
- وإنت اللي علّمتني كيف أمشي.
- صحيح.
- بس ما علّمتك تصير فوقي.
الكلمة الأخيرة كانت صفعة.
فوقي.
حاول سامر أن يفهم:
- مش مسألة فوق أو تحت.
ضحك فارس ضحكة قصيرة، بلا روح.
- بهالعالم؟ دايمًا في فوق وتحت. واليوم… في ناس صارت تشوفك فوق.
مدّ فارس يده على الطاولة، وقرّبها من سامر.
- خلّينا نكون واضحين. جهاد يثق فيك. بس أنا؟ أنا اللي بعرفك.
- بعرف نقاط ضعفك.
- بعرف بيتك.
- بعرف ليان.
حين خرج اسمها من فم فارس، تغيّر الجوّ.
تصلّب سامر.
- ليش جبت سيرتها؟
رفع فارس حاجبه.
- لأنّك نسيت موقعك.
ساد الصمت، لكنّ التهديد كان واضحًا، غير منطوق، وحاضرًا بقوّة.
لأوّل مرّة، أدرك سامر أنّ فارس لم يعد مجرّد وسيط… بل حارس بوّابة، ولن يسمح لأحد بالمرور بلا ثمن.
- شو بدّك؟
سؤال بسيط، لكنه ثقيل.
استند فارس إلى الكرسي.
- بدي تضل تتذكّر مين سبق مين.
- وبدي توصل شغلة صغيرة.
ضيّق سامر عينيه.
- مش دوري.
- دورك تغيّر.
- لا بهالشغلة.
مال فارس للأمام مرّة ثانية، وانخفض صوته:
- سامر… لا تخلّيني أذكّرك كيف بلّشت.
صار التهديد مباشرًا.
وقف سامر ببطء.
- إذا عندك شغل، احكي لجهاد.
ابتسم فارس.
- رح يعرف… بس بطريقتي.
خرج سامر من المقهى وقلبه يدقّ بقوّة. المطر بدأ ينزل خفيفًا، والشارع شبه فارغ. كل خطوة شعر بها مراقبة.
فارس لم يعد صديقًا.
صار خطرًا… من النوع الذي يعرفك.
في المساء، عاد إلى البيت متأخّرًا.
سأله أبوه:
- تأخّرت.
- شغل.
الكلمة نفسها. الكذبة نفسها.
لكن هذه المرّة… كانت أعمق.
دخل غرفته وفتح هاتفه. رسالة من رقم غير مسجّل:
“انتبه على حالك. في ناس عم تلعب من ورا ظهرك.”
عرف فورًا من هو.
نادر.
جلس سامر على السرير. شعر بأنّ الدائرة تضيق.
جهاد من فوق.
نادر من الخارج.
وفارس… صار الخطر الأقرب.
وفي اليوم التالي، تأكّد إحساسه.
اتصل به فارس من جديد، صوته أبرد من قبل:
- في تأخير بالشغل. جهاد زعلان.
- ليش؟
- لأنّك ما تعاونت.
فهم سامر.
فارس بدأ يحرّك الخيوط.
لا ليوقعه… بل ليكسره إذا لزم.
في تلك اللحظة، أدرك الحقيقة التي تأخّر في فهمها:
أسوأ عدو…
ليس الذي لا تعرفه،
ولا الذي يلاحقك من بعيد.
أسوأ عدو…
هو الذي كان بقربك،
عرفك،
ضحك معك،
ثم قرّر أن يستخدم كل شيء عرفه ضدّك.
فارس صار الوجه المظلم للطريق الذي دخله سامر.
والمعركة القادمة…
لن تكون شحنة.
ولا دمًا.
ستكون… بقاء.
