كان الصباح أبرد من العادة، رغم أنّه في منتصف الصيف. فتح سامر عينيه على صوت أبيه في المطبخ وهو يتذمّر من طريقة ترتيب الصحون، وأمّه تردّ عليه بنبرة تعب أصبحت جزءًا من يومهم. البيت طبيعي، يوم عادي بتفاصيله المكرّرة.
لكن سامر لم يكن طبيعيًا أبدًا.
منذ ليلة الأمس، منذ كلام الخال جهاد، منذ نظرة فارس، ومنذ إحساسه أنّه انزلق خطوة لم يكن يجب أن ينزلقها، كل شيء كان يخنقه منذ اللحظة التي استيقظ فيها.
خرج من غرفته والعتمة ما زالت عالقة على وجهه. ارتدى ملابسه دون أن يتحدّث مع أحد، ومرّ أمام أهله كظلّ. نادته أمّه:
- ما بدّك تفطر؟
هزّ رأسه: - مش رايق.
خرج من البيت بسرعة. وقف في الخارج، ونظر إلى الحارة التي عاش فيها عمره كلّه، لكنّه رآها اليوم كأنّها جديدة وغريبة. الأولاد يلعبون، عمّته تكنس الدرج، كلب ينبح من بعيد. ومع ذلك، شعر أنّ كل شيء يراقبه، كأنّ العالم بدأ يسجّل عليه خطواته.
حاول أن يتنفّس، أن يُعيد نفسه إلى الأرض، لكن عقله أعاد كل شيء: التوصيلة، الحقيبة التي لم يعرف ما بداخلها، الرجل الذي سلّمها له، وكلام جهاد الذي فتح بابًا لا رجعة منه.
ومع كل هذا الضجيج، كانت صورة واحدة تفرض نفسها عليه: ليان.
ليان… الفتاة التي دخلت حياته بطريقة لم يتوقّعها، ولم يفهم يومًا كيف أصبحت جزءًا منه.
تذكّر أوّل مرّة رآها قبل ثلاث سنوات، يوم كان ذاهبًا لتسليم أوراق لشركة قريبة من الجامعة. كانت واقفة على الدرج، تحاول فتح بوابة خشبية ورجلاها ترتجفان من العصبية. كانت متأخّرة على امتحان، والباب عالق.
- ممكن تساعدني؟
قالتها بصوت خفيف، فيه رجفة وتوتّر.
فتح الباب بحركة بسيطة، ابتسم، فابتسمت أكثر.
تحدّثا. مرّة، ومرّتين، وعشر. كانت تشتري قهوتها من الكشك القريب من عمله، وهو يضحك كلّما توتّرت وهي تحكي عن خوفها من التأخير.
ومع الوقت، أصبحت أقرب من أي شخص. أقرب إلى قلبه، وإلى الأمان الذي لم يجده في حياته. الجميع كان يرى أنّ هناك شيئًا بينهما، لكنّ أيًّا منهما لم يقل كلمة “نحب” صراحة. كانت علاقتهم بريئة، قويّة، صادقة… إلى ليلة الأمس.
وبينما كان غارقًا في ذكراها، اهتزّ هاتفه. رسالة منها:
“وينك؟ مبارح حكيت معك وما رديت.”
قرأ الرسالة عشر مرّات. للمرّة الأولى في حياته، لا يريد أن يردّ. للمرّة الأولى، شعر أنّ وجوده قد يؤذيها. كتب:
“تمام… بس تعبان شوي.”
كانت تلك أوّل كذبة بينهما. أوّل شرخ صغير في خيط كان يربط قلبين.
ذهب إلى عمله، لكنّ عقله ظلّ عالقًا بين جهاد وليان. كلّما حاول التركيز، عاد يرى وجهها وهي تسأله لماذا لم يردّ.
والأصعب أنّه كان يحكي لها عن كل شيء، يلجأ إليها دائمًا. أمّا الآن، فأوّل سرّ يخفيه عنها هو أخطر سرّ في حياته.
قبل انتهاء الدوام، وصلت رسالة ثانية:
“سامر… أنا فاهمة إنك مش طبيعي. احكيلي شو صاير.”
توقّف مكانه. شعر أنّ الأرض تهتزّ تحته. كتب:
“بنشوف بعض بعد الدوام… بوعدك.”
خرج بسرعة. كان لا بدّ أن يراها، حتى لو كان خائفًا. توجّه إلى مكانهما المعتاد، المقعد الخشبي تحت الشجرة الكبيرة قرب الملعب. وصل قبلها وجلس. أصوات الأولاد وهم يلعبون كانت تضرب قلبه، لأنّه للمرّة الأولى شعر أنّ هذه البراءة لم تعد تخصّه.
وصلت ليان بعد دقائق. كانت بسيطة كعادتها، شعرها مربوط، وتحمل كوبين قهوة. رأته ولم تبتسم. ومن قبل أن تتكلّم، رأى الحزن في عينيها.
جلست بقربه.
- سامر… شو في؟
حرّك قدميه بتوتّر، وشعر أنّ الكلام محبوس في حلقه.
- ولا شي… كم شغلة ضغطتني شوي.
هزّت رأسها ببطء وقالت بصوت منخفض:
- كذب.
الكلمة كسرت شيئًا داخله. ليس لأنّ الكذبة كبيرة، بل لأنّ ليان لم تكن يومًا بحاجة إلى دليل لتعرف الحقيقة. كانت تقرأه كصفحة مفتوحة.
اقتربت منه قليلًا، بخوف عليه لا بغضب منه:
- إذا بتحب تحكي، احكي. وإذا مش جاهز… أنا هون.
كان يريد أن يحكي. كان يريد ذلك حقًا.
لكن ماذا سيقول؟ إنّه سلّم حقيبة مشبوهة؟ إنّ رجلًا غريبًا هدّده؟ إنّ فارس دخل حياته من باب بلا قفل؟
لم يستطع.
رفع عينيه إليها وقال:
- الموضوع شغل… وكل شي بينحل. بس محتاج وقت.
سكتت. لم تصدّقه، لكنها فهمت أنّه مخنوق ولا يستطيع فتح قلبه اليوم.
أغمضت عينيها قليلًا وقالت:
- أنا خايفة عليك… مش زعلانة منك. خايفة.
كانت الجملة كخنجر بطيء.
لأنّ الخوف في عينيها كان آخر شيء يريد أن يراه.
والأصعب أنّه هو سبب هذا الخوف.
جلسا ساعة تقريبًا يتحدّثان عن أشياء عاديّة، لكن كل كلمة كانت ثقيلة. كل ضحكة مجروحة. كل نظرة مليئة بعلامة استفهام.
وعند عودتها، كانت صامتة. قبل أن تنزل من السيارة، تمسّكت بمقبض الباب وقالت:
- بس وعدني… إنك ما تترك.
هزّ رأسه.
لكنّه لم يصدّق وعده هو نفسه.
بعد أن أغلقت الباب، بقي ممسكًا بالمقود، غير قادر على تشغيل السيارة. شعر أنّه فقد جزءًا من نفسه، جزءًا من علاقة كانت أنظف ما في حياته.
كذبة صغيرة… أصبحت جدارًا.
وجدار… سيصبح حائطًا.
وحائط… سيصبح مدينة كاملة بينه وبينها.
عاد إلى البيت. صوت التلفاز من غرفة أبيه، ورائحة الطبخ من مطبخ أمّه، كل شيء طبيعي… إلّا هو.
وهو يدخل غرفته، رنّ هاتفه. فارس.
- سامر… بكرا في شغل أهم. حضّر حالك.
أغلق الخط، وشعر أنّ الظلام يقترب.
وليان، الذهب الذي كان ينير حياته، أصبحت اليوم أقرب ضحيّة لظله الجديد.
وللمرّة الأولى… خاف حقًا أن يخسرها.
