كانت الليلة مختلفة، مختنقة بالأسئلة والتوتّر، كأنّ جدران غرفة سامر تضيق عليه كلّما حاول أن يُغمض عينيه. للمرّة الأولى يشعر أنّ المال “السريع” يمكن أن يسبّب هذا القدر من القلق. جلس على طرف السرير، يُحرّك قدميه بعصبية، يشعر أنّ كل شيء حوله ثابت، إلّا قلبه الذي لم يهدأ. وكلّما حاول إقناع نفسه أنّها “شطحة واحدة” وتنتهي، عاد يسمع صوتًا داخليًا يهمس:
“ما في شي بالدنيا بيجي بسهولة… إلّا المصايب.”
حاول سامر أن يذهب إلى عمله في اليوم التالي وكأنّ كل شيء طبيعي، لكن كان واضحًا أنّه لم يعد نفسه. الطريق الذي يسلكه كل يوم صار ثقيلًا، والناس الذين يراهم يوميًا أحسّهم يراقبونه. حتى تنفّسه تغيّر، صار يحمل خوفًا مكبوتًا لا يستطيع إخفاءه.
وفي منتصف الطريق، وصلته رسالة من رقم لا يعرفه. رسالة قصيرة، لكنها هزّت كيانه:
“كن عند بيت أهلك الساعة 5. الموضوع مهم.”
رفع حاجبيه، قرأ الرسالة مرّة ثانية وثالثة، لعلّها مزحة أو خطأ. كتب بسرعة:
- مين؟
جاءه الرد فورًا، وكأنّ الطرف الآخر كان ينتظر:
- جهاد… خالك.
توقّف سامر مكانه، وشهق دون قصد. الاسم وحده كان كافيًا ليُنسيه كيف يتنفّس. الخال جهاد… الرجل الذي كان يُذكر دائمًا بالخوف، الغائب عن العائلة منذ سنوات طويلة، والذي يعرف الجميع أنّه يسير في طريق خطير. منذ طفولته، وسامر يسمع عنه قصصًا غامضة: “مش كويس”، “مش نظيف”، “ما بتعرف شو شغله”. لدرجة أنّ والده كان يمنع ذكر اسمه في البيت. ومع ذلك… يظهر فجأة؟
مرّ الوقت ببطء قاتل. كل دقيقة أطول من التي قبلها. وعندما اقتربت الساعة الخامسة، كان سامر واقفًا أمام مدخل العمارة التي يسكن فيها أهله، يدخّن بعصبية، دون أن يشعر بدخان السيجارة.
بعد لحظات، توقّفت سيارة سوداء جديدة ببطء على جانب الطريق. فُتح الباب… وظهر رجل طويل، جسده قوي، خطواته واثقة، وعيناه تلمعان بثقة مخيفة.
هذا هو… جهاد.
لم يتغيّر. بل بدا أعتى. كأنّ السنين أضافت حوله غلافًا صلبًا. وقف أمام سامر، تفحّصه بنظرة طويلة، ثم قال بصوت هادئ، لكنه يمسك الروح:
- كبرت يا سامر… وكبرت همومك معك.
شعر سامر بأنّ قدميه تخونانه. لم يعرف ماذا يقول، ولا لماذا ظهر خاله فجأة. لكن لم يكن لديه وقت للتفكير، لأنّ جهاد تقدّم وقال:
- نطلع؟
دخلوا إلى البيت. الأم، ما إن رأته، ارتبكت، وانسابت دمعة قديمة من عينيها، بين خوف واشتياق:
- جهاد! إنت؟ من وين؟
ابتسم ابتسامة صغيرة لا تطمئن:
- إجيت أشوف الولد.
دخل الأب إلى الصالون، توقّف في مكانه كجبل، وصوته خشن:
- شو جابك هون؟
اكتفى جهاد برفع حاجبه وقال:
- جاي أحكي مع سامر… ومو ناقصني مشاكل.
بقي الأب واقفًا متحفّزًا، لكن الأم أشارت لسامر أن يجلس. الجو كان متوتّرًا، كأنّ البيت نفسه يعرف أنّ دخول جهاد ليس أمرًا عاديًا.
بعد صمت طويل، نظر جهاد إلى سامر وقال:
- إنت دخلت طريق مش إلك.
ابتلع سامر ريقه:
- أنا… أنا ما عملت شي. بس…
قاطعه جهاد وهو يميل بجسده إلى الأمام:
- التوصيلة اللي عملتها… مش لعبة. مش شغلة بسيطة زي ما فارس خلّاك تفهم. أوّل خطوة بتسحبك، ثاني خطوة بتربطك… وبعدها ما في رجعة.
شعر سامر بوخزة في صدره. أراد أن يصرخ أنّه أخطأ، أنّه لم يقصد الدخول إلى هذا العالم، لكن الكلمات لم تخرج.
تابع جهاد:
- الناس اللي استلمت منهم… شافوك. عرفوك. وصار إلك اسم عندهم، حتى لو إنت مش عارف.
هذه الجملة دخلت رأس سامر كرصاصة.
صار له اسم؟
في أي عالم؟
ومع من؟
الأم لم تفهم ما يُقال، رفعت يدها بتوتّر:
- شو بتحكي يا جهاد؟ سامر شو دخله بهالأمور؟
ردّ جهاد بنبرة أخفّ:
- أنا هون عشان أحميه… مش أضيّعه.
قاطع الأب بصوت عالٍ:
- ولا كلمة حماية! إنت ما بتجيب إلّا المصايب!
نظرة واحدة من جهاد أسكتته. نظرة حادّة… لكنها موجوعة.
ثم التفت إلى سامر وقال:
- اسمعني… فارس جزء من مجموعة. وأنا كمان… بس أنا إلي طريقة، وهم إلهم طريقة. وإنت… انحطّيت بالنص.
فتح سامر فمه ليسأل:
- طيب… شو بدك مني؟
خفّض جهاد صوته:
- بدي أعرف كل شي صار… عشان أعرف كيف أدفنك عن عيونهم.
الكلمة الأخيرة صدمت سامر.
يدفن؟
من؟
ولماذا؟
تابع جهاد:
- اللي دخلت فيه مش سهل. وأنا الوحيد اللي بقدر أوقفه قبل ما يكبر.
ثم أضاف بنبرة تشبه الندم:
- أنا شفت طريق الظل من زمان… وما بدي إياك تمشيه.
الأم كانت تبكي بصمت عند باب المطبخ.
الأب جالس ينظر إلى الأرض، وكأنّه يكتشف للمرّة الأولى أنّ المشكلة أكبر من خلاف عائلي.
وقف جهاد، ارتدى جاكيته، وقال لسامر:
- بكرا الصبح بدنا نحكي برا. لحالنا. خليك جاهز… ولا تعمل أي حركة من دون علمي.
لم يستطع سامر الرد. اكتفى بهزّ رأسه، وهو يشعر أنّ حياته انقسمت إلى نصفين في تلك اللحظة.
عندما خرج جهاد، خيّم الصمت على البيت.
سألته الأم بصوت مكسور:
- شو عملت يا سامر؟
لم يجد جوابًا.
لأنّه، بصراحة، لم يكن يعرف ماذا فعل.
لكنّه كان يعرف شيئًا واحدًا:
ظهور جهاد لم يكن حدثًا عابرًا.
كان بداية مرحلة جديدة…
مرحلة أخطر من كل ما مرّ به.
وهو غير متأكّد إن كان الغد سيجده صاحيًا… أم ضائعًا أكثر.
