بعد الليلة الأولى التي سلّم فيها سامر الحقيبة، لم تستطع أعصابه أن تعود إلى هدوئها السابق. كل صباح كان يستيقظ وهو يفكّر في فارس، في التوصيلة، في المبلغ الذي ربما ربحه. كان يشعر أنّ شيئًا ما تغيّر في داخله، شيء يجذب قلبه نحو المغامرة والخطر في الوقت نفسه.
في اليوم التالي، استيقظ سامر مبكّرًا. لم يكن بحاجة إلى منبّه أو إلى إرهاق نفسه بالاستعداد المعتاد. ذهنه كان مشغولًا بخطوة واحدة فقط: لقاء فارس.
خرج من البيت إلى شارع الحارة الضيّق. الهواء بارد، لكنه منعش، انتعاش لا يخفّف من التوتّر الداخلي. عند الزاوية، كان فارس ينتظره كعادته، مبتسمًا، ووجهه يعكس ثقة لا تتزعزع.
- صباح الخير، سامر. جاهز للخطوة الثانية؟
- آه… نعم… جاهز.
أخرج فارس مظروفًا صغيرًا من جيبه وأعطاه لسامر.
- هاد المبلغ… جزء من مكافأة التوصيلة السابقة. افتح وشوف بنفسك.
تردّد سامر. قلبه يدق بسرعة، شعور بالمفاجأة والخوف يختلط بالفضول. فتح المظروف بحذر، فرأى داخله أوراقًا نقدية… أكثر ممّا تخيّل. كمية كبيرة، مصاري قد تغيّر أي حياة بسيطة.
- شو… هذا؟!
همس لنفسه بصوت منخفض. - المكافأة… بسيطة مثل ما وعدتك. بس المرّة الجاية رح تزيد الأمور أكثر.
قال فارس بابتسامة غامضة.
جلس سامر على الرصيف، ينظر إلى الأوراق النقدية في يده. قلبه مليء بالتناقض. لم يشعر بفرح المال المعتاد، بل بشيء أعمق… شعور بالخوف، شعور بالمسؤولية، شعور بأنّ كل هذه النقود تأتي بثمن غير مرئي بعد.
- كيف… كيف ممكن يكون هذا حقيقي؟
تمتم سامر، بينما كان فارس يقف أمامه بهدوء، يراقبه. - الموضوع بسيط… الناس مثلنا ما بقدروا يعيشوا من الروتين اليومي. العالم بيتغيّر بسرعة، والفرص ما بتنتظر.
شعر سامر بالإغراء، بالحرية المحتملة التي قد تمنحه إيّاها هذه النقود، لكنه كان يعلم أيضًا أنّ الطريق الذي يسلكه ليس طريقًا عاديًا. كل ورقة نقدية في يده كانت تهمس: “خذها… بس احذر من العواقب”.
تساءل سامر:
- هذا الطريق… صح… أو غلط؟
في داخله، تمايلت مشاعر متضاربة. جزء منه يقول: “خذ المصاري، هاي فرصتك تعيش حياة أفضل”.
وجزء آخر يقول: “إذا دخلت بهذا الطريق… رح تفقد نفسك تدريجيًا… رح تصير جزء من عالم مظلم ما تعرف نهايته”.
لاحظ فارس الصراع الداخلي، وقال بابتسامة ذكية:
- بعرف شعورك… بين الصح والغلط. هذا طبيعي. كل شخص عاقل بمرّ فيه. الفرق بين الناجحين واللي بخافوا إنهم بياخدوا القرار.
جلس سامر في مكانه، ينظر إلى المظروف. المبلغ الكبير بدا وكأنّه مغناطيس يسحب كل شيء حوله. رائحة الطموح، وعد الحرية، كل شيء صار واضحًا أمامه. لكنه شعر أيضًا بوزن المسؤولية، وزن المجهول، وزن الأخطار التي لم يلمسها بعد.
- ماذا لو… ما قدرت أتحكّم؟
همس بصوت منخفض.
جلس فارس بجانبه، ووضع يده على كتف سامر بلطفٍ حازم:
- كل شيء بالبداية بكون صعب. بس مع الوقت، كل خطوة بتصنع خبرة. كل خطوة بتزيد قوّتك. رح تتعلّم، وتعرف إمتى توقف، وإمتى تكمل.
نظر سامر إلى فارس. كلمات صديق الطفولة كانت تمزج بين الطمأنينة والتحفيز، لكنها لم تلامس قلبه بالكامل. كان يعرف أنّ هذه الكلمات لا تغيّر حقيقة واحدة: الطريق الذي بدأه محفوف بالمخاطر، وأي خطأ قد يقوده إلى نهايات لا رجعة عنها.
جلس سامر طويلًا، يدور في رأسه سؤال واحد:
هل يستسلم للفضول والطمع ويستمر؟
أم يعود إلى حياته البسيطة، ويبتعد عن فارس والعالم المظلم الذي بدأ يراه؟
في تلك اللحظة، شعر أنّ الحياة التي عرفها منذ صغره – العمل البسيط، البيت، الحارة، والروتين اليومي – بدأت تتلاشى. أمامه عالم جديد… عالم المال السريع، الفرص الكبيرة، والخطر الدائم.
- تمام…
قال لنفسه أخيرًا، بصوت هادئ لكنه مليء بالقرار. - رح أجرّب… خطوة خطوة.
ابتسم فارس، كأنّه كان يعرف الإجابة مسبقًا، وقال:
- بعرف إنك رح تاخذ القرار الصح. بس تذكّر… الطريق طويل، وكل خطوة محسوبة.
عاد سامر إلى البيت، والمظروف في يده، لكن عينيه كانتا بعيدتين. يفكّر في ما قد يحدث لاحقًا، في المخاطر، في المغريات، في عالم لم يعرفه من قبل.
جلس على الأريكة مرّة أخرى، يشعر بأنّ قلبه يزداد صلابة، وعقله يبدأ بترتيب الخطوات القادمة. كان يعرف الآن، بعمق، أنّ المال السريع لا يأتي بلا ثمن، وأنّ كل خطوة في هذا الطريق… قد تكون أخطر من سابقتها.
لكن شيئًا داخله قال بصوت خافت:
“ما بقدر أرجع… الطريق بلّش، والفضول والفرصة قدّامي”.
وفي ذلك المساء، بينما الظلام يغطي الحارة ويزداد هدوء الشوارع، جلس سامر وحده، محتضنًا المظروف، ويشعر للمرّة الأولى أنّ حياته تغيّرت إلى الأبد. وأنّ الطريق الذي اختاره قد يقوده إلى مصير جديد، مظلم، ومليء بالمفاجآت…
عالم تحت الظل.
