اليوم التالي بدأ كسابقه، لكن سامر كان مختلفًا داخليًا. الاستيقاظ لم يعد مجرّد عادة، بل شعور متوتّر يرافق كل خطوة. بعد نصف ساعة من التفكير المتواصل، قرّر أن يلتقي فارس كما اتّفقا في الليلة السابقة.
خرج من الشقة وتوجّه إلى الزاوية التي حدّدها فارس، شارع ضيّق بعيد عن أنظار الجيران. الشمس لم ترتفع بعد بالكامل، والجو كان باردًا بعض الشيء، ما جعل كل صوت صغير في الشارع يبدو أكبر ممّا هو عليه.
رأى فارس يقف عند الرصيف، بنفس الملامح الحادّة، وابتسامة غامضة على وجهه، كأنّه يعرف كل شيء قبل أن يحدث.
- صباح الخير، سامر… جاهز للتجربة الأولى؟
- آه… أعتقد جاهز.
سحب فارس حقيبة صغيرة من على ظهره وأعطاها لسامر.
- هاد الكيس… مجرّد توصيلة. بسيطة. ما فيه شي خطر.
نظر سامر إلى الحقيبة. حجمها متوسّط، لكنها ثقيلة بعض الشيء.
- شو فيه؟
ابتسم فارس:
- شو بتعرف؟ أهم شي توصلها للشخص المحدّد، وما تسأل ولا تفتح. خلص.
شعر سامر بشيء غريب في قلبه، إحساس لم يستطع تفسيره، لكنه تجاهله.
- تمام… ما رح أفتح.
- كويس… بس ركّز. الشخص موجود على زاوية الشارع الرئيسي، بيت رقم 12.
سار سامر في الشارع، يحمل الكيس بيده، والعرق يتصبّب من كفّيه رغم برودة الجو. كل خطوة كانت تزيد من ثقله الداخلي. تذكّر تحذيرات والديه، ونصائح الأصدقاء، والقصص عن أشخاص تورّطوا مع مجهولين… لكنه تجاهل كل شيء.
وصل إلى الزاوية المحدّدة، وتوقّف قليلًا ينظر حوله. الشارع شبه فارغ، وكل شيء يبدو طبيعيًا.
- هاد بيت رقم 12… بس وين الشخص؟
تمتم لنفسه.
فجأة، خرج رجل من باب صغير، متوسّط القامة، وجهه مخفي جزئيًا بقبّعة سوداء.
- إنت سامر؟
- آه… نعم.
تقدّم الرجل خطوة، أخذ الكيس من يده دون كلمة إضافية، ورماه بنظرة سريعة قبل أن يختفي.
ابتلع سامر ريقه. شعور غريب بالارتباك والخوف ملأ صدره.
- تمام… خلّصت؟
- آه… خلّصت.
ابتعد سامر عن المكان، يشعر براحة خفيفة، كأنّه تجاوز اختبارًا أوّلًا.
لكن هذا الشعور لم يدم طويلًا.
عند عودته إلى الشارع الرئيسي، لاحظ حركة غير طبيعية خلفه. سيارة سوداء توقّفت على بعد أمتار قليلة، ونزل منها شخصان يراقبانه بصمت. قلبه بدأ يدقّ بسرعة.
“لا… لازم ما ألتفت…”
قالها في داخله.
لكن الخوف والفضول غلباه. التفت، ولاحظ أنّ أحدهما يحمل هاتفه ويحاول تصويره.
- شو… شو بده؟
تمتم، وزاد سرعته.
وصل إلى بيته أخيرًا. أغلق الباب خلفه ببطء، واتّكأ على الحائط للحظة. كل شيء بدا هادئًا، لكن الطمأنينة غابت. الكيس غادر يديه منذ دقائق، لكن ثِقله بقي معه – ثقل المجهول، وثقل القرارات التي بدأ يدخل فيها دون أن يعرف حجمها.
جلس على الأريكة، واضعًا يده على رأسه، والأسئلة تتزاحم في عقله:
- شو كان داخل الكيس؟
- هل كان خطر؟
- وإذا اكتشفوا إنّي أنا اللي سلّمته… شو رح يصير؟
لم يستطع التفكير بهدوء. كل تفصيل صغير في الطريق، كل حركة، كل نظرة، كانت تعود وتدور في رأسه بلا توقّف.
فتح نافذة صغيرة ليأخذ نفسًا عميقًا من الهواء البارد، محاولًا أن يهدأ، لكنه أدرك أنّ هذا الشعور لن يزول بسهولة. كان يعرف الآن أنّ توصيلة واحدة فقط قد تكون بداية لشيء أكبر… شيء مظلم، وجاذب في الوقت نفسه.
وبينما جلس على هذا الحال، وصلته رسالة من فارس:
“كيف كانت التجربة؟ سهلة صح؟
رح نحكي لاحقًا عن الخطوة الثانية.
الليلة… أهم خطوة.”
ابتلع سامر ريقه، وعيناه تحدّقان في الشاشة بلا وعي. قلبه بدأ ينبض بسرعة، وعقله يزن كل كلمة: الليلة… أهم خطوة.
ماذا يقصد؟ وماذا ينتظره؟
في داخله، كان الصوت واضحًا رغم هدوئه:
كل خطوة قادمة ستكون محفوفة بالمخاطر. وربّما تكون هذه… أوّل غلطة حقيقية.
جلس صامتًا، يسمع خفقان قلبه، ويشعر أنّ حياته لم تعد كما كانت. لقد بدأ فعليًا بالدخول إلى عالم فارس، عالم المخاطرة، عالم تحت الظل. وكل ما فعله حتى الآن لم يكن سوى بداية الطريق.
وفي هدوء الشقة، تحت ضوء المصابيح الصفراء الخافتة، أدرك سامر أنّ حياته البسيطة السابقة لم تعد صالحة، وأنّه دخل مرحلة جديدة…
مرحلة قد تحدّد مصيره إلى الأبد.
