تحت الظل – الحلقة التاسعة | أوّل دم

الحلقة التاسعة
عاد إلى صوت الرجل المتألّم، إلى الدم المنتشر على الأرض، إلى رجال المخزن الذين لم يتحرّك فيهم شيء، وإلى فارس الواقف بجانبه وكأنّ ما يحدث عادي.

الصباح الذي تلاه لم يُشبه أي صباح مرّ على سامر في حياته. صوت المطر وهو يطرق زجاج النافذة كان كأنّه يدقّ على صدره مباشرة، يذكّره بكل ما يحاول الهروب منه. فتح عينيه ببطء، رأى السقف، والظلمة الخفيفة التي تغطّي الغرفة، ورأى إخوته الصغار نائمين على الفرش التي جمعوها بعد لعب ليلة الأمس. شعر للحظة أنّه غريب عن كل هذا… غريب حتّى عن نفسه.

حاول أن ينهض بهدوء، لكن جسده كان ثقيلًا، كأنّه ما زال يحمل أثقال الشحنة التي سلّمها بالأمس. لقاء جهاد بقي عالقًا في ذاكرته مثل ندبة جديدة. كلماته كانت تتردّد داخله بلا توقّف:

  • بتقدر تكمل… ولا الشغل أكبر منك؟

كل كلمة منها كانت تجعل سامر يشعر أنّه داخل اختبار مرعب لا يستطيع الهرب منه.

دخل الحمّام وغسل وجهه. نظر إلى انعكاسه في المرآة، ولاحظ أنّ عينيه تغيّرتا. شيء ما انكسر فيه أمس، واليوم شعر أنّه فقد شيئًا لم يكن يعرف اسمه.

عاد إلى الغرفة. أمّه كانت ترتّب الأغطية فوق إخوته، وتقول بصوت خافت كي لا توقظهم:

  • قوم يا يمّا، فطورك جاهز.

هزّ رأسه:

  • ماشي يمّا…

لكنّه لم يقترب من الطعام. لم يكن قادرًا على الأكل.
كل شيء في البيت بدا طبيعيًا… إلّا هو.
وتحت هذا الهدوء، كانت هناك عاصفة داخله لا تهدأ.

رنّ هاتفه.
فارس.

فتح الخط وسمع صوته القصير، الحاد، الذي لا يعرف المزاح:

  • اليوم في شغلة… مختلفة. خلّي أعصابك هادية.

شعر سامر بأنّ قلبه يهبط إلى قدميه.

  • قديش… مختلفة؟
  • رح تعرف لما نوصل. يلا، أنا بستناك بنفس المكان.

أغلق الهاتف، ووقف عند الباب لحظة قبل أن يخرج.
أبوه يشرب الشاي ويتابع الأخبار كعادته.
أمّه تتحرّك في المطبخ كخلية نحل.
إخوته، أصواتهم وضحكاتهم، كانت تذكّره أنّه صار يحمل بيتًا كاملًا…
وهو بالكاد قادر على حمل نفسه.

ارتدى جاكيته وخرج قبل أن يسأله أحد شيئًا.
الشارع مبلّل، رائحة المطر قوية، والسماء رمادية، كأنّها تعرف ما ينتظر سامر ولا يعجبها.

وصل إلى نقطة اللقاء. فارس كان ينتظره في السيارة السوداء التي أصبحت رمز الخطر بالنسبة له.
ركب دون أن يتكلّم.
ولا فارس تكلّم.
كأنّ الصمت هو اللغة الوحيدة المناسبة لهذا الصباح الثقيل.

بعد عشرين دقيقة من القيادة، وصلا إلى مخزن صغير في منطقة شبه مهجورة.
مبنى باهت، باب حديدي قديم، ورائحة رطوبة واضحة.

نزل فارس وقال:

  • هالمرّة الشغلة أكبر. بدّهم ناس إيدها قويّة، وراسها ما يهتز.

دخلا معًا.
المخزن مليء بأكياس وصناديق، ورجال يتحرّكون بسرعة. حاول سامر إخفاء توتّره، لكن قلبه كان يدقّ بوضوح.

أشار فارس إلى كيس كبير:

  • احمله… واتبعني.

انحنى سامر وحمل الكيس. كان أثقل من أي شيء حمله في حياته. شدّ عضلاته، سمع نبضه في أذنيه، وشعر أنّه قد يسقط.
لكنه رفعه، أسنده على كتفه، وبدأ يمشي.

وفجأة…
صوت ارتطام.

زجاجة معدنية كبيرة سقطت على الأرض، واصطدمت بطرف باب حديدي.
صرخ رجل…
وانسكب الدم من ساقه.

دم كثير.
أحمر فاقع.
دافئ.
كثيف.
يجري على الأرض المبلّلة.

وللحظة… توقّف كل شيء عند سامر.
العنف.
الدم.
الصراخ.

تداخل كل شيء، وكأنّ لقطة من ماضيه اقتُطعت بالقوّة وعُرضت أمامه.

فلاش باك

عاد سنوات إلى الوراء. إلى أيّام المدرسة، المراهقة، وأيّام ليان.
كان في أوّل ثانوي، يحبّها بصمت، حبّ طفل خجول يسبق قلبه كلامه.

في ذلك اليوم، تجمّع شبّان يضايقونها عند بوابة المدرسة.
رآها سامر، اشتعل قلبه، وركض بلا تفكير.
أحدهم دفعها، فسقطت على الأرض.

أمسك سامر الشاب ودفعه بكل قوّته.
سقط الشاب، وجرحت يد ليان.
رأت الدم، وارتجف صوتها.

كانت تلك أوّل مرّة يرى فيها سامر الدم.
دم شخص يحبّه.

شعر بنفس الرجفة، بنفس الحرارة التي تصعد من صدره إلى عنقه.
في ذلك اليوم، عرف أنّ هناك أشخاصًا يجب حمايتهم مهما كلّف الأمر.
وكانت ليان أوّلهم.

العودة إلى الواقع

عاد إلى صوت الرجل المتألّم، إلى الدم المنتشر على الأرض، إلى رجال المخزن الذين لم يتحرّك فيهم شيء، وإلى فارس الواقف بجانبه وكأنّ ما يحدث عادي.

تخشّب سامر في مكانه.
الكيس كاد يسقط من يده.
قدماه ارتجفتا.
صوته اختفى.
وبرودة العالم كلّها تجمّعت في جسده.

اقترب فارس وقال ببرود:

  • هدّي حالك. هاد مش شغلك. ركّز بشغلك.

تمتم سامر:

  • في… في دم.
  • إيه، ورح تشوف أكثر. إذا بدّك تكمل معنا، لازم تفصل قلبك عن شغلك.

الكلمات دخلت قلبه كمسمار.

حاول أن يتحرّك، أن يتنفّس، لكن أوّل دم في هذا اليوم لم يكن مجرّد مشهد.
كان صفعة.
وكان تذكيرًا.
وكان إعلانًا واضحًا أنّه دخل عالمًا بلا رحمة أو تردّد.

بعد دقائق بدت كساعات، انتهى تحميل الأكياس.
سلّم سامر الشحنة، واستلم ظرفًا جديدًا.
المبلغ كان الأكبر حتّى الآن.
لكنّه لم يشعر بفرح.
ولا بإنجاز.
ولا بفخر.

عاد بالسيارة، والمطر يضرب الزجاج.
كل قطرة بدت كنقطة دم.
كل صوت صدى لصرخة الرجل.
وكل ظلّ يمرّ بجانبه يشبه خوفه.

وصل إلى البيت، ونزل قبل أن يقول فارس شيئًا.
وقف عند الباب، تنفّس بعمق، وشعر أنّه لا يستطيع دخول بيته وهو يحمل كل هذا الدم في قلبه.

دخل.
ضحكات الإخوة.
صوت أمّه.
تلفاز أبيه.

كل شيء طبيعي… لكنّه لم يعد يشبه حياته.

سامر صار شيئًا آخر.
شيئًا أخطر.
أعمق.
ومجروحًا من الداخل.

صعد إلى غرفته، جلس على السرير، ووضع رأسه بين يديه.
رأى دم ليان.
ورأى دم الرجل.
ورأى نفسه بين الدمَين…
ضائعًا، خائفًا، ويسير في طريق لا يعرف إن كان له رجعة.

أوّل دم في حياته كان دفاعًا عن الحب.
وأوّل دم اليوم كان دفاعًا عن عمل، وسقوطًا أعمق نحو المجهول.

في تلك الليلة، أدرك سامر أنّه فقد جزءًا جديدًا منه.
وأنّ الطريق الذي يسير فيه لن يكون سوى دم، وخوف، وصراع طويل مع نفسه…
ومع جهاد…
ومع نادر الذي يقترب أكثر فأكثر.

تحت الظل – الحلقة التاسعة | أوّل دم
تحت الظل – الحلقة التاسعة | أوّل دم

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات

اكتشاف المزيد من متجر أدونيس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق