أثر الانتفاضة على الحركة الأدبية

أثر الانتفاضة على الحركة الأدبية
أثر الانتفاضة على الحركة الأدبية

التفت الناقد العربي القديم ابن قتيبة إلى الحالات النفسية وعلاقتها بالشعر، وقد تناولها من جوانب عديدة منها جانب الحواجز النفسية الدافعة إلى قول الشعر، كالطمع والشوق والطرب والغضب.

ويعني قول ابن قتيبة هذا أن هناك دوافع نفسية لقول الشعر تحث الشاعر على إنجاز نصوصه، والسؤال الذي قد يثار هنا، ما علاقة الحوافز التي ذكرها بالانتفاضة، وما الذي يطمع إليه الشاعر الفلسطيني، وما الذي يتشوق إليه وما الذي يطربه وما الذي يغضبه؟

إن الطمع في التراث القديم مقترن بالمال؛ والشوق مقترن بلقاء المحبوب؛ والطرب مقترن بالبيض الحسان وبحب آل البيت؛ وأما الغضب، فغالباً ما كان مرده العداء القبلي أو العداء الديني؛ فإذا غضبت قبيلة على قبيلة حسبت الناس كلهم غضابا، فكيف يقول الشاعر الفلسطيني الشعر وهو لا يطمع، في ظل الانتفاضة، إلى كرم مسؤول، وبينه وبين البيض الحسان مسافة في وسطها ألف حاجز وحاجز، وأما الطرب؛ فبعيد بعيد، وربما يبقى الغضب، غير أننا يمكن أن نقول إننا نطمع في أن نرى الاحتلال يزول، ونتشوق إلى دولة مستقلة، ونطرب لإرباك طفل جندياً، ونغضب لتمادي شارون وصمت الأمة العربية، وفي هذا كله ما يحث الشعراء على أن يكتبوا، ولا أظن أن الشعراء الذين كتبوا عشرات القصائد في حادثة استشهاد محمد الدرة الطفل الفلسطيني التي حركت مشاعر الشعراء وكانت النتيجة؛ مئات القصائد التي جمعت في ديوان شعر؛ وهكذا كانت الانتفاضة حافزاً للكتابة.

العودة إلى ما كان: تأثير الانتفاضة على موضوعات الكتابة:

ذهب بعض الدارسين إلى أن أدب المقاومة اكتسب قيمته لكونه أدب قضية بالدرجة الأولى، لا لقيمته الفنية، وهذا ما حدا بالشاعر محمود درويش، إلى مخاطبة النقاد الذين أسبغوا هالة على أدب المقاومة، إلى الالتفات إلى جماليات هذا الأدب ومحاكمته بناءً على قيمته الفنية أيضاً؛ فلما كتب “سرير الغربية” كتب كما يكتب بقية الشعراء العرب، وصار الشاعر واحداً مثل بقية شعراء العربية، وكتب درويش بعد “سرير الغريبة” نصاً شعرياً طويلاً هو “جدارية” (2000)، وتمحور حول تجربة الشاعر مع الموت. وهكذا شكل الديوانان الأخيران خروجاً عن مألوف كتابة الشاعر منذ “أوراق الزيتون” ( 1964).

ولما كانت الانتفاضة؛ فاجأنا درويش بقصيدتين هما “محمد” و “القربان”، اللتان أعادتانا إلى أشعاره الأولى، وهكذا جعلت الانتفاضة الشاعر، من جديد، شاعر مقاومة، وجعلته، من جديد، يختلف عن كثير من الشعراء العرب، وليس محمود درويش الحالة الوحيدة الاستثنائية. هنا يمكن أن يتوقف أمام أديب آخر تركت الانتفاضة أثرها على نتاجه، وهو يحيى يخلف، وقبل متابعة هذا لا بد من التوقف أمام الكلمة التي نشرها في العدد السابع والعشرين من دورية “دفاتر ثقافية”؛ لملاحظة تأثير الانتفاضة على الحركة الأدبية الفلسطينية وعلاقتها بالحركة الأدبية العربية.

يذهب يحيى يخلف إلى أن عودة المثقفين الفلسطينيين، في العام 1994 إلى مناطق السلطة الوطنية، جعلهم يغيبون” عن المشهد الثقافي العربي، وحصل ما يشبه القطيعة القسرية بينهم وبين زملائهم وقرّائهم في الوطن العربي ..” وجاءت انتفاضة الأقصى “لتعيد الصلة ما بين المواطن الفلسطيني ومحيطه القومي، ولتعيد القدس وفلسطين إلى قلب الوجدان العربي”.

ويذهب يخلف إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فيشير إلى تأثير الانتفاضة على النص الأدبي الفلسطيني، ويبدو هذا التأثير من وجهة نظر الكاتب ايجابياً؛ فقد “أكدت الانتفاضة أن فلسطين هي أرض المقاومة، وأن المقاومة هي سمة أساسية من سمات الأدب الفلسطيني والثقافة الفلسطينية، وأن ما يحدث في مدن وقرى ومخيمات فلسطين سيعكس نفسه بالضرورة على النص الأدبي، وعلى المادة الثقافية، كذلك، فإن مرحلة الصمت والبحث والتأمل سيعقبها مرحلة إبداع مقاوم في مختلف حقول الأدب والفنون وسائر أنواع المعرفة.  

وكانت الانتفاضة ملهمة للكاتب نفسه، فقد نشر جزءاً من رواية، عنوانها “الفجر طيو”، وهكذا كانت الانتفاضة حافزاً له، مثلما كانت حافزاً لمحمود درويش وآخرين، لينجز نصاً روائياً جديداً، ومثلما أعادته الانتفاضة للكتابة في الهم الوطني، فقد أعادت بطل روايته كمال إلى المشاركة في الهم العام بعد أن ابتعد عنه بسبب مرحلة (أوسلو) التي حولته من مناضل إلى موظف في شركة استثمار.

تأثير الانتفاضة على المجلات والصحف:

لئن كانت الانتفاضة، كما لاحظنا، تركت أثراً على الأدباء وموضوعات نصوصهم، حيث أعادتهم إلى الكتابة في موضوعات كانوا يكتبون فيها قبل مرحلة السلام (1993)، وابتعدوا، قليلا، عنها في مرحلة (أوسلو) وما بعدها، فما التأثير الذي ترتكته على المجلات الأدبية والدوريات الأخرى والملاحق الأدبية؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال النظر في هذه وملاحظة ما هي عليه، في أثناء الانتفاضة، بما كانت عليه من قبل.

مجلة الكرمل:

صدرت الكرمل، ابتداءً، في بيروت، منذ أوائل الثمانينات، وتابعت صدورها، بعد الخروج الفلسطيني عام 1982م، من قبرص، وتوقفت عن الصدور عام 1993م، ولما عاد محمود درويش إلى الوطن عام 1996م؛ أعاد إصدارها عام 1997م، بعد توقف أربع سنوات لتنتظم وتصدر كل فصل، عدا عدد واحد صدر بعد توقف فصل عن الصدور، وهو العدد الخامس والخمسون، حيث صدر عام 1998م مع العدد السادس والخمسين، ويلاحظ أن المجلة انتظمت في صدورها في عام الانتفاضة؛ فقد صدر منها حتى اللحظة ثلاثة أعداد والرابع يصدر في موعده الذي لما يأت.

ويلاحظ من ينظر في أعداد الكرمل الصادرة قبل الانتفاضة وأعدادها الصادرة في أثناء الانتفاضة، أنها ظلت وفية لسياستها الثقافية التي اختطتها، وهي سياسة تقوم على نشر نصوص لأدباء فلسطينيين وعرب وعالميين، وعلى نشر دراسات عن هؤلاء، ويكاد يكون العدد الأول الصادر في أثناء الانتفاضة، العدد السادس والستون، الاستثناء الوحيد إذ خصصت أكثر صفحاته لنشر شهادات مثقفين عرب وفلسطينيين عن انتفاضة الأقصى. وقد تصدرت قصيدة درويش “القربان” العدد، واللافت للنظر في هذا العدد أن أربعين صفحة من الصفحات المائة والخمسين، خصصت لنشر نصوص أدباء عبريين كتبت عن الانتفاضة، ولم تكن الكرمل في أعدادها السابقة تخلو، غالباً، من اهتمام بالأدب العبري، وهذا ما كان يسهم به الأدباء: سلمان ناطور وأنطوان شلحت ومحمد حمزة غنايم وحسن خضر.

مجلة الشعراء:

صدر من مجلة الشعراء، حتى بداية الانتفاضة عشرة أعداد في رام الله، وهي غالباً ما كانت فصلية، باستثناء العددين الرابع والخامس، حيث صدرا معاً في صيف 1999م، ولم تتعثر خلال سنة من الانتفاضة إطلاقاً إذ صدرت باستمرار في موعدها. وقد حفل العدد الحادي عشر، وهو العدد الأول الذي صدر في أثناء الانتفاضة، بنصوص كثيرة استوحاها أصحابها من وحي الانتفاضة.

وكان من بين كتاب هذا العدد أدباء عرب جاؤوا للمشاركة في مهرجان الشعر الذي قرر بيت الشعر الفلسطيني عقده في أوائل تشرين أول من العام 2000م.

ومن الأدباء الذين نشروا نصوصهم في هذا العدد: التونسي محمد لطفي اليوسفي، والعماني سيف الرحبي، والعراقي هاشم شفيق، ووفاء العمراني، وجهاد هديب، بالإضافة شهادات عشرة أدباء من داخل فلسطين.

وعلى العموم، يبقى نص الانتفاضة الشعري، في الشعراء، غير حاضر حضوراً لافتاً للنظر، على الرغم من أن النص الشعري، خلافاً للنص القصصي أو النص الروائي،  يمكن أن يكتب في أثناء معايشة الحدث مباشرة، وما نشر، على سبيل المثال، من نصوص،  في العدد الحادي عشر، كان من نصيب النثر أكثر منه من نصيب الشعر؛ لقد ضم العدد أربعة نصوص شعرية لشاعرين يقيمان في فلسطين، هما: غسان زقطان، ومحمد حسيب القاضي؛ ولشاعر عراقي هو رباح فوزي، ولشاعر فلسطيني يقيم في باريس هو محمد الديراوي، ونص الانتفاضة هو نص القاضي، ولم يختلف الأمر كثيراً في العدد الثاني عشر الذي ضم ملفاً عن الشعر الروماني المعاصر وأربعة نصوص لأربعة شعراء عرب بينهم شاعر فلسطيني يقيم في موسكو هو عبد الله عيسى.

وهنا قد يتساءل المرء: أين هي نصوص الشعراء التي أوحت بها الانتفاضة؟ ومن المؤكد أن الشعراء، في فلسطين، كتبوا قصائد كثيرة، ومنهم شعراء بيت الشعر: المتوكل طه، وغسان زقطان، وحسين البرغوثي، وأحمد يعقوب، ومراد السوداني، ومحمد الريشة، وأكثر هؤلاء نشر نصوصه في الملاحق الأدبية للجرائد المحلية مثل: جريدة الأيام، وجريدة الحياة الجديدة، وجريدة الانتفاضة.

دورية “دفاتر ثقافية”:

تبدو دورية “دفاتر ثقافية ” الأكثر تأثراً سلبياً في فترة الانتفاضة، وكان قد صدر منها حتى أيلول 2000 ستة وعشرون عدداً – أي بمعدل عدد كل شهرين على الرغم من أنها ” شهرية ثقافية تصدر عن وزارة الثقافة الفلسطينية”، وخلال عام الانتفاضة، من نهاية أيلول حتى بداية أيلول 2001م،  لم يصدر منها سوى عدد واحد يعد عدد أدب الانتفاضة، لأن محوره الخاص كان نص الانتفاضة، وقد شارك فيه خمسة عشر كاتباً فلسطينياً وعربياً، وهنا قد يتساءل المرء عن السبب، وبخاصة أن الدوريات الأخرى، مثل الكرمل والشعراء، ظلت كما لاحظنا، تواصل الصدور، وتعثر “دفاتر ثقافية” تعثر دائم،  قبل الانتفاضة وفي أثنائها ولكنه في أثنائها بدا لافتاً للنظر بشكل واضح. أيعود السبب إلى ضعف الإمكانات المادية أم إلى تبعثر موظفي وزارة الثقافة، الذين خلافاً لموظفي بيت الشعر والكرمل، يقيمون في مناطق شتى لا يستطيعون بسبب ظروف الانتفاضة، الوصول إلى مكاتبهم ليصدروا مجلتهم، أم يعود إلى عدم توفر نصوص أدبية جيدة؟.

الجرائد: الأيام والحياة الجديدة نموذجاً:

يستطيع الدارس أن يلحظ الأثر الواضح الذي تركته الانتفاضة على الحياة الأدبية من خلال مقارنة الصفحات الثقافية قبل الانتفاضة وفي أثنائها، لقد تراجعت الملاحق الثقافية تراجعاً واضحاً جداً، وسوف أبين هذا من خلال إجراء مقارنة بين أعداد جريدتي “الأيام” و”الحياة الجديدة ” وأعداد شهر ثان صدر في أثناء الانتفاضة.

ويلاحظ  قاريء جريدة “الأيام” أنها كانت، قبل نهاية أيلول 2000، كانت تصدر في 28 صفحة أو في 32 صفحة أو 36 صفحة أو في 48 صفحة، (23) وأخذت في أثناء الانتفاضة تصدر في 20 صفحة أو في 24 صفحة، (24) وقد انعكس هذا بدوره على عدد صفحات الثقافة، لقد صدر في أيلول 2000، كل ثلاثاء، ملحق ثقافي تكون من أربع صفحات (5-9/9-12 / 9-19/9-26)، وكان الملحق يتكون من أبواب ثابتة وحوارات ومقالات وشبه دراسات، يشارك في هذا كتاب من المناطق الفلسطينية وكتاب من العالم العربي أيضاً، وقد تراجع هذا الملحق في فترة الانتفاضة وخصصت له صفحة واحدة كل ثلاثاء، والناظر في أعداد الثلاثاء من شهر كانون ثاني، يلحظ هذا التراجع بوضوح، لقد صدر في هذا الشهر، عدد الثلاثاء خمس مرات (1-2/1-9/1-16/1-23/1-30)، وغالباً ما ضم العدد كلمة المحرر الأدبي وقصائد قصيرة وأخباراً سريعة، أو مقالات قصيرة جداً، أو عروضاً موجزة لكتب صدرت حديثاً، ولم تعد الأيام تنشر لكثير من كتابها الذين ظهرت أسماؤهم من قبل، وذلك لضيق المساحة المخصصة للأدب، وربما لأسباب أخرى.

يمكن قول الشيء نفسه عن ملحق “الحياة الجديدة” الأدبي الذي كان يصدر قبل 28/9 تحت عنوان “فضاءات الحياة الثقافية” وكان يخصص له أيضاً أربع صفحات نشر محررها فيها كتاباً على حلقات، وهو ما يبدو واضحاً في أعداد شهر آب 2000، كانت الحياة تصدر في 24 صفحة أو في 28 صفحة (25) وانخفض عدد صفحاتها في الانتفاضة إلى 16 صفحة أو إلى 20 صفحة حسب الأيام،(26) وانخفضت صفحات الملحق الأدبي إلى صفحة أو صفحتين.

صدر الملحق الأدبي+ في آب 2000 خمس مرات (3/8-10/8-17/8-24/8-31/8) ونشر المحرر في هذه الأعداد حواراً مطولاً، يشكل كتابا،ً أجراه صقر أبو فخر مع الشاعر أدونيس، كما نشر، على حلقات، كتاباً صدر للشاعر المتوكل طه عنوانه “هذا ما لزم: رسائل إبراهيم طوقان إلى فدوى طوقان”، ولم تخل أعداد هذا الشهر من مقالات لكتاب عرب ولقاءات مع أدباء عرب أيضاً، ومن مقالات لأدباء فلسطينيين يقيمون في الشام، كما ظهرت على صفحات هذه الأعداد مقالات عن أدباء إيرانيين ومراجعات لروائي إيراني، ونشر أدباء محليون مقالات عديدة، وسيلحظ المرء، حين ينظر في أعداد شهر كانون ثاني من العام 2001 تراجع هذا تراجعاً واضحاً ملموساً، لقد صدر الملحق الأدبي في هذا الشهر أربع مرات (4/1-11/1-18/1-25/1) بمعدل صفحتين ثلاث مرات وصفحة واحدة مرة واحدة وغالباً ما كانت المواد المنشورة قصيرة الحجم، ولا تعدو أن تكون قصائد أو مراجعات عابرة لبعض الكتب الصادرة.

غير أن ما ثبت في “الأيام” هو استمرار الجريدة في إصدار “كتاب في جريدة” مع بداية كل شهر،  صباح يوم الأربعاء، وما ثبت أيضاً في “الحياة الجديدة” تخصيص صفحة للشاعر أحمد دحبور، يراجع فيها كتاباً، عارضاً له وناقداً ومحاوراً، وكانت أحداث الانتفاضة، أحياناً، تفرض على الشاعر أن يختار كتاباً له صلة بالأحداث، من ذلك عرضه لكتاب الدكتور اليمني عبد العزيز المقالح، الذي تمحور على شعر الانتفاضة الأم، أي انتفاضة 9/12/1987م.

وليس هناك من شك في أن ثمة أسباباً حدت بأصحاب الصحف والمسؤولين عنها إلى تخفيض حجمها، وليس هناك من شك في أن السبب الرئيسي هو الانتفاضة نفسها وما أحرزته من وقائع، وليس أمام المرء إلا أن يبحث عن الأسباب، وما دام لا يملك هذه من أفواه أصحابها يبقى من حقه أن يثير الأسئلة، وهذه هي:أيعود السبب إلى الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعاني منه المناطق الفلسطينية، حيث يؤثر هذا على اقتناء الجريدة، وبالتالي خفف أصحابها حجمها؟، أم يعود السبب إلى تراجع حجم الإعلان في الجريدة مما أدى إلى تردي دخلها ولم يعد بالإمكان تمويل صفحات إضافية أخرى؟، أم يعود السبب إلى عدم مشاركة الكتاب؟ وأظن أن السبب الأخير أو هي الأسباب وأضعفها، لأن الأحداث، كما ذهبت ابتداء، تعد محفزاً للكتابة، وباعتباري واحداً من كتاب جريدة “الأيام”، فإن نتاجي في أثناء الانتفاضة، لم يقل بحال من الأحوال عن نتاجي الأدبي في الفترة التي سبقتها، وعلى العكس من ذلك فقد دفعتني الانتفاضة إلى كتابة نصوص نثرية لم أكن لأنجزها لولا هذا الحدث البارز.

هنا يمكن أن نشير إلى إصدارات أخرى حفلت بجانب أدبي، ونشر على صفحاتها بعض الكتاب، منها مجلة “رؤية “، وجريدة “الانتفاضة”، ومجلة “أقواس”، ويعد الحضور الأدبي الأبرز للنصوص الأدبية، وبخاصة الشعرية، على صفحات جريدة الانتفاضة، خلافاً لــ “رؤية” و”أقواس”، وقلما خلا عدد من أعداد “الانتفاضة” من نص شعري لشاعر معروف أو لشاعر ناشئ، وغالباً ما كتبت هذه النصوص الشعرية من وحي الانتفاضة. 

ويلاحظ أن أكثر النصوص التي كتبت ونشرت تنتمي إلى جنس أدبي واحد هو الشعر، وقد تليه الخاطرة، أما القصة القصيرة والرواية، فحضورهما يكاد يكون ضعيفاً، ويعود السبب في ذلك إلى أن الشعر أسرع من القصة والرواية استجابة للحدث، في حين يحتاج فن القصة والرواية إلى وقت أطول حتى يختمر العمل وينضج ويكتب.

الملتقيات والمؤسسات الثقافية:

يمكن القول أن الانتفاضة تركت آثاراً سلبية على العديد من النشاطات التي كانت الملتقيات والمؤسسات الثقافية تنوي عقدها، ويستطيع المرء أن يدلل على ذلك من خلال الأمثلة التالية:

أولاً: قرر بيت الشعر في رام الله أن يعقد مهرجانه الشعري الأول في بداية تشرين أول من العام 2000م، ووجه الدعوة إلى شعراء ونقاد من العالم العربي ومن فلسطين ليشاركوا في المهرجان، ولكن مخطط المهرجان تعثر، حيث لم يتمكن الكثير من المشاركين من التنقل بين مدن الضفة التي خطط أن تكون فيها الجلسات النقدية والشعرية.

ثانياً: عزمت وزارة الثقافة الفلسطينة أن تعقد مؤتمراً للنقد الأدبي في فلسطين، وعممت منشوراً على المؤسسات والنقاد، صدر بتاريخ 31/5/2000م، وكان من المقرر أن يعقد المؤتمر في الخامس والسادس من تشرين الأول من عام 2000م، ولم يتحقق ذلك، فأجلت الموعد حتى شباط 2001م ومع ذلك لم يعقد المؤتمر بسبب الظروف.

ثالثاً: تعثرت نشاطات ملتقى بلاطة الثقافي تعثراً لافتاً للنظر، ولو قارنا ما أنجزه الملتقى قبل 28/9/2000م بما أنجزه بعد هذا التاريخ للاحظنا التعثر الكبير، ويعقد الملتقى لقاءً أسبوعياً يناقش فيه عملاً أدبياً لكاتب من أعضائه أو لأديب فلسطيني أولأديب عربي أو عالمي، ويتم ذلك من خلال إعداد برنامج سنوي تحدد فيه التواريخ والأعمال، ويوزع على الأعضاء، ونادراً ما أنجزت اللقاءات الأسبوعية للعام 2001م، لقد كان من المقرر في الشهرين الأولين، كانون ثاني وشباط في عام 2001، كان من المقرر أن تناقش سبعة نصوص لشعراء فلسطينين وعرب ولأدباء عالميين أيضاً، ولم تعقد أربعة لقاءات من اللقاءات السبعة، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فقد دأب أعضاء الملتقى على دعوة أدباء فلسطينيين ليناقشوهم فيما يصدرونه، واستضافوا قبل الانتفاضة، العديد من الأدباء، ومنهم محمود شقير، ومريد البرغوثي، وعزت الغزاوي، وصبحي شحروري، وسليمان دغش، وفاروق مواسي، ويحيى يخلف، ولكنهم في أثناء الانتفاضة لم يستضيفوا أي أديب من خارج نابلس.

ويعزو أعضاء الملتقى، وتحديداً مازن دويكات، وعباس دويكات، وجميل دويكات، تعثر النشاط الثقافي للملتقى إلى الأسباب التالية:

أولا: إغلاق المناطق المحتلة وتشديد الحصار عليها وصعوبة الانتقال من مكان إلى آخر.

ثانيا: الناحية النفسية التي تترك أثرها عليهم،

ثالثا: تعرض مبنى الملتقى في بلاطة إلى القصف، ويذكر هذا بما جرى لمبنى بيت الشعر في رام الله، حيث قصف ثلاث مرات.

رابعاً: تعثرت إصدارات دار الفاروق للنشر، وقد عزا صاحبها الكاتب محمد البيتاوي سبب ذلك إلى الأوضاع الاقتصادية السيئة، فالأفراد في هذه الظروف لا يلتفتون إلى الكتاب، طباعة واقتناء، لأن دخلهم قد تدنى، وغالباً ما ينفقون أموالهم على الاحتياجات الأساسية، ويعد الكتاب سلعة غير أساسية، وهكذا لم يتمكن من طباعة الكتب كما كان ذلك من قبل، ولم ينشر سوى كتاب واحد، عدا أن إقبال الناس على شراء الكتب تضاءل.

الخلاصة:

تركت الانتفاضة تأثيراً واضحاً على الحركة الأدبية الفلسطينية، وهذا التأثير كان له شقان: إيجابي، وسلبي، ولكن التأثيرات السلبية كانت هي الأكثر، وليس هناك من شك في أن أعوام الانتفاضة شهدت أعمالاً بطولية قام بها الفلسطينيون، كما شهدت مآس لكثير من العائلات، ولن تنتهي آثار الانتفاضة بتوقفها.

وأرى شخصياً أن نص الانتفاضة لم يكتب بعد، وقد يكتب، إن فرغ الأدباء الفلسطينيون أنفسهم لمتابعة الحالات التي ستمر بها أسر الشهداء، والجرحى ومرافقة الأخيرين في حياتهم وعذاباتهم، ولعلي بعد عشرين عاماً من الآن أنظر في النصوص التي ستكتب لأكتب عن نص الانتفاضة، وهذا ما لم أنجزه في هذا البحث؛ لأنني أرى أن نص الانتفاضة -وإن كتب فيه بعض الشعراء والكتاب- ما زال قابلاً لأن يكتب بعمق وبتنوع وبغزارة؛ وذلك لعمق الحدث وغزارة إفرازاته.

تويتر
تليغرام
لينكد ان
فيسبوك
واتساب
يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط ليقدم لك تجربة تصفح أفضل. من خلال تصفح هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
Skip to content