تحت الظل – الحلقة الثالثة عشرة | ليان تتغيّر

الحلقة الثالثة عشرة
تذكّرت سامر كما كان. الشاب الذي كان يحكي كثيرًا، حتى عن الأشياء التي لا معنى لها. كان يحكي ليهرب، ليشارك، ليبقى قريبًا. الآن… صار صامتًا، وكأن الكلمات تفضحه.

ليان لم تكن تحتاج دليلًا لتعرف أن سامر تغيّر.
التغيير لا يأتي دائمًا بشكل صاخب، أحيانًا يتسلل بهدوء، مثل برد خفيف في منتصف الصيف، تشعر به قبل أن تفهمه.

كانت جالسة على سريرها، الهاتف في يدها، تنظر إلى آخر رسالة أرسلها سامر. جملة قصيرة، باردة، خالية من روحه القديمة:

  • تعبانه شوي… بحكي معك بعدين.

كلمة بعدين صارت الكلمة التي تكرهها.
لأنها لا تأتي أبدًا.

تذكّرت سامر كما كان. الشاب الذي كان يحكي كثيرًا، حتى عن الأشياء التي لا معنى لها. كان يحكي ليهرب، ليشارك، ليبقى قريبًا. الآن… صار صامتًا، وكأن الكلمات تفضحه.

في البداية أقنعت نفسها أن الشغل هو السبب.
ضغوط، مسؤولية، بيت، فواتير، أهل.
كلها أسباب منطقية… لكنها لم تعد كافية.

كانت تشعر أن هناك جدارًا بينهما.
جدار غير مرئي، لكنه صلب.
كلما حاولت الاقتراب، ارتطمت به.

في آخر مرة التقوا فيها، جلست أمامه في المقهى، تراقبه وهو يقلب فنجان القهوة دون أن يشرب. عيناه لم تكونا عليها بالكامل. كان حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه.

  • سامر…

قالتها بهدوء.
رفع عينيه بسرعة، وكأنه انتبه فجأة لوجودها.

  • ها؟

ترددت.
كم مرة سألت نفسها:
هل أسأله؟
هل أضغط؟
أم أتركه حتى لا يهرب أكثر؟

  • مالك؟

سألت أخيرًا.

ابتسم… تلك الابتسامة الناقصة.

  • شو مالي؟
  • مش أنت.

قالتها بصدق، بلا اتهام.

صمت.
وكان هذا الصمت أبلغ من أي اعتراف.

  • حاسّة في شي مخبّيه.

أضافت.

شدّ سامر فكه، ونظر حوله كأنه يتأكد أن لا أحد يسمع.

  • ليان… لا تكبّري الأمور.

الجملة وجعتها.
كانت تعرفها.
هذه الجملة تُقال عندما تكون الأمور أكبر من اللازم.

  • أنا مش عم أفتّش.

قالت بهدوء أقرب للرجاء.

  • بس عم أحاول أفهم.

لم يرد.
شرب القهوة أخيرًا، مرة واحدة، كأنها واجب، ثم وقف.

  • لازم أمشي.

نهضت معه، لكنها شعرت أنها تُركت في مكانها.

منذ ذلك اليوم، بدأت ليان تتغيّر أيضًا.
صارت تراقب أكثر.
تنتبه لتفاصيل كانت تمرّ سابقًا بلا اهتمام.

مواعيده الغامضة.
مكالماته القصيرة.
الطريقة التي يخفض بها صوته فجأة.
القلق الذي يظهر في عينيه عندما يرى سيارة شرطة.
حتى طريقته في لمس يده… صار فيها توتر.

لم تعد تضحك بسهولة معه.
ولم تعد تنتظره بنفس الشغف.

الحب بدأ يتصارع مع الشك.

وفي أحد الأيام، رأته من بعيد.
كان واقفًا عند زاوية الشارع، يتحدث مع رجل لم تعرفه. ملامحهما مشدودة، الحوار قصير وسريع. سلّمه شيئًا… واستلم شيئًا آخر.

لم ترَ ما هو.
لكنها رأت ما يكفي.

قلبها انقبض.
لم تقترب.
لم تنادِه.
اكتفت بالمراقبة.

في تلك الليلة لم تنم.
أسئلة تدور في رأسها بلا توقف:

هل هو في مشكلة؟
هل هو متورط؟
هل يكذب عليها؟
وهل الحب يكفي إذا كان مبنيًا على الصمت؟

في المقابل، كان سامر يشعر بتغيّرها.
نظراتها، أسئلتها، برودها المفاجئ.
وكان هذا يرعبه أكثر من جهاد… وأكثر من نادر.

لأن فقدانها كان الخسارة الوحيدة التي لا يعرف كيف يتحمّلها.

لكنه لم يكن قادرًا على الصدق.
الصدق صار خطرًا.

في إحدى الليالي، جلست ليان معه في سيارته. المطر خفيف، والشارع شبه فاضي. لم تشغّل الموسيقى كعادتها.

  • سامر.

قالتها بنبرة مختلفة.

  • إيش؟
  • لو سألتك سؤال… بتحب الصراحة؟

تجمّد.

  • حسب السؤال.

تنفست بعمق.

  • إنت… داخل بشي ممكن يدمّرك؟

السؤال ضرب صدره مباشرة.
نظر أمامه.
شدّ يده على المقود.

  • ليش هيك بتسألي؟
  • لأنّي حاسّة.

قالتها وهي تضع يدها على صدرها.

  • والإحساس عم يقتلني.

صمت طويل.
زاد المطر.
وكل ثانية كانت امتحانًا.

  • أنا بحاول أأمّن مستقبلنا.

قال أخيرًا.

نظرت إليه.

  • بس بأي ثمن؟

لم يستطع النظر إليها.

وهناك، فهمت ليان شيئًا مهمًا:
إنه لا يكذب فقط…
هو يغرق.

وفي داخلها بدأ صراع آخر.

هل تبقى وتدعمه؟
أم تحمي نفسها قبل أن تنكسر معه؟

بدأت تسأل نفسها أسئلة كانت تهرب منها:
هل الحب يعني التضحية بكل شيء؟
أم أن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تعيشي في خوف؟

في الوقت نفسه، كان المحقق نادر يقترب.
تحركات سامر، خطواته، أسماء بدأت تتكرر، والدائرة تضيق.

ليان لم تكن تعرف التفاصيل…
لكنها شعرت بالخطر.

وفي آخر مشهد من هذا الفصل، كانت واقفة عند نافذة غرفتها، تنظر إلى الشارع. سيارة سامر توقفت بعيدًا، نزل منها، نظر حوله، ثم دخل.

لم تركض لاستقباله كما كانت تفعل.
بقيت مكانها.

تحبّه…
لكن الشك بدأ يعلّمها كيف تحمي قلبها.

وكان هذا أخطر شيء يحدث في حياة سامر حتى الآن.
لأن خسارة ليان
لم تكن خسارة شخص…
بل خسارة آخر جزء نظيف فيه.

تحت الظل – الحلقة الثالثة عشرة | ليان تتغيّر
تحت الظل – الحلقة الثالثة عشرة | ليان تتغيّر

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق