بين صوت المطر الذي ترك رطوبة في الهواء، وصمت البيت الذي لفّ المكان بعد ليلة طويلة، كان سامر مستيقظًا قبل الفجر. لم ينم فعليًا، بل أغمض عينيه مرّات قليلة وهو واعٍ لكل نفس يخرج من صدره. أوّل دم لم يكن مجرّد مشهد عابر، بل باب فُتح ولم يُغلق. شعر وهو يفتح عينيه أنّ شيئًا ما تغيّر… ليس حوله، بل في داخله.
جلس على طرف السرير، يداه على ركبتيه، وعيناه شاردتان. كلّما حاول إبعاد صورة الدم، عادت أقوى. لم تكن صورة الرجل فقط، بل صورة ليان وهي صغيرة، الدم على خدّها، وصوته وهو يصرخ:
- لا تخافي… أنا هون.
وقتها كان شجاعًا.
واليوم؟
اليوم لم يعد متأكّدًا ممّا هو.
خرج من الغرفة بهدوء. البيت نائم، باستثناء أمّه، صوتها الخافت في المطبخ وهي تحضّر الشاي قبل أن يستيقظ الجميع. وقف عند باب المطبخ، نظر إليها من بعيد، وشعر بوخزة ضمير. لو عرفت ماذا يفعل ابنها… لو عرفت أي عالم بدأ يدخل.
إخوته الصغار نائمون متكدّسين، أحدهم يضع يده على صدر الآخر. وقف سامر يتأمّلهم، وشعر بثقل لم يشعر به مع أي شحنة حملها. هؤلاء ليسوا مجرّد إخوة… هؤلاء مسؤولية. وهؤلاء هم السبب.
وهنا، للمرّة الأولى، فهم لماذا صار المال السريع مغريًا إلى هذا الحد. لم يكن طمعًا… بل خوفًا.
رنّ الهاتف.
كان يعرف من المتّصل قبل أن يرى الاسم.
فارس.
ردّ بصوت مبحوح:
- صباح الخير.
- صباح النور. حضّر حالك، جهاد بدّه يشوفك.
سكت سامر لحظة.
- ليش؟
- لأنّك مبارح ما خذلتنا.
أغلق الخط.
الجملة بقيت عالقة في رأسه: ما خذلتنا.
يعني كان هناك خيار أن يخذل؟
يعني كانوا يتوقّعون أن ينهار؟
ارتدى ملابسه وخرج دون فطور. نادته أمّه:
- سامر؟
التفت وقال: - راجع بكّير إن شاء الله.
كانت كذبة، لكنه حاول أن يجعلها ناعمة.
وصل إلى المكان الذي حدّده فارس. السيارة واقفة، وفارس في الداخل، ملامحه هادئة بشكل مقلق. ركب سامر، وانطلقا دون كلام. الطريق بدا أطول من المعتاد، وكل شارع شعر به كاختبار.
وصلوا إلى بيت جهاد.
شعر سامر بالفرق فورًا.
هذا ليس مكان عمل… هذا مركز قرار.
دخل، وكان الهدوء مقصودًا.
جهاد جالس، ظهره مستقيم، فنجان قهوة أمامه، كأنّه ينتظر منذ وقت طويل.
- اقعد.
جلس سامر.
- سمعت عن اللي صار أمس.
لم يردّ. - شفت الدم.
هزّ رأسه. - وما هربت.
رفع جهاد نظره، نظرة طويلة فاحصة.
- بتعرف شو الفرق بينك وبين غيرك؟
ابتلع سامر ريقه.
- غيرك بيشوف الدم وبيصير عنيف… أو بيهرب. إنت سكتّ، وتحملت.
صمت.
- هاي مش صفة ناقل.
شعر سامر وكأنّه يُرفَع درجة دون أن يطلب.
- أنا مش بطل.
ابتسم جهاد بخفّة: - ولا أنا بدي بطل. بدي شخص بيعرف يسكر تمّه وقت اللزوم.
وقف جهاد، دار حول الطاولة ببطء.
- من اليوم، ما رح تكون مجرّد واحد يحمل ويسلّم.
رفع سامر عينيه.
- رح تصير حلقة. الناس بتمرّ من عندك. معلومات، مواعيد، إشارات. مش الكل… بس الكفاية اللي تخليك مهم.
كلمة مهم ضربته من الداخل.
مهم يعني مرئي.
ومرئي يعني خطر.
- ليش أنا؟
وقف جهاد أمامه مباشرة.
- لأنّك لسه بتخاف.
استغرب سامر.
- الخوف مش ضعف يا سامر. الخوف يعني عندك شي تخسره. واللي عنده شي يخسره… بيدافع.
خرج من عند جهاد وهو يشعر أنّه أكبر من الأمس… وأثقل بأضعاف.
الفكرة نفسها كانت مرعبة:
صار له قيمة.
وصار له ثمن.
في الطريق، رنّ الهاتف.
ليان.
ردّ بعد تردّد.
- وينك؟
- عندي شغل.
- دايمًا شغل.
نبرة صوتها موجوعة.
- سامر… أنا ما بطلب كتير. بس احكي معي.
سكت.
كيف يحكي وهو صار جزءًا من شيء لا يسمح بالحكي؟
- أنا عم أتحمّل مسؤوليّة.
- عن مين؟
لم يُجب.
الصمت كان أقسى من أي كلمة.
أغلق الخط، وشعر أنّه خسر جزءًا آخر من حياته الطبيعيّة.
كل خطوة مع جهاد… كانت خطوة أبعد عن ليان.
في المساء، عاد إلى البيت.
سأله أبوه عن الشغل.
- ماشي.
إجابة قصيرة.
أمّه لاحظت تغيّر صوته، لكنها لم تضغط.
دخل غرفته، جلس على السرير، وفتح الظرف الذي استلمه اليوم.
المبلغ كبير، يكفي لدفع الفواتير، وشراء هدوء مؤقّت للبيت.
لكن الثمن؟
نفسه.
وفي مكان آخر من المدينة، كان المحقّق نادر يقلب ملفًا.
الاسم نفسه تكرّر للمرّة الثالثة.
التحرّكات نفسها، المناطق نفسها، التوقيت نفسه.
كتب بخط صغير:
- تحوّل من عنصر ثانوي إلى نقطة محوريّة.
في اللحظة نفسها، أطفأ سامر الضوء.
البيت نام.
وهو لم ينم.
منذ أيام، كان مجرّد شاب يحاول أن يعيش.
صار ناقلًا.
واليوم… صار حلقة.
والحلقة، إن انكسرت، تنقطع السلسلة كلّها.
وسامر بدأ يفهم:
المشكلة ليست أنّه صار مهمًا…
المشكلة أنّه صار لازم.
