لم يكن سامر يعرف أنّ يومه الطبيعي سيتحوّل خلال دقائق إلى نقطة انعطاف.
خرج من المحل عند الساعة السابعة مساءً، بعد يوم شغل طويل ومتعب. أغلق الباب الحديدي، سلّم على أبو ماهر، ومشى في الشارع الضيّق المؤدّي إلى بيته.
الجو كان باردًا، والهواء يحمل رائحة مطر خفيف لم يهطل بعد. الشارع شبه فاضي… إلّا من سيارة سوداء مركونة على جانب الطريق، وزجاجها مظلّل بالكامل.
سامر بطبعه لا يحب التدقيق بالأشياء، لكن هذه السيارة لفتت نظره.
ليس لأنها غريبة، بل لأنها من النوع الذي لا تراه عادة في هذا الشارع الشعبي.
مرّ بجانبها، واستمرّ في المشي.
لكن وهو يمر، لمح من زاوية عينه حركة سريعة داخل السيارة.
شخص… أو ربما شخصان… وكأنّهم ينظرون إليه وكأنّهم يعرفونه.
هزّ رأسه وتجاهل الأمر، لكن شعور بداية شيء غريب ظلّ يرافقه.
تابع طريقه، يحمل كيس خبز توقّف ليشتريه لأمّه، ويفكّر برسالة فارس التي بقيت تخزّه مثل شوكة.
وصل قرب الزاوية التي تفصل الشارع الرئيسي عن الحارة المؤدّية إلى بيته، وهناك… حصلت الشرارة.
كان هناك شابّان واقفان عند الحائط. شكلهما واضح: بنطلونات سوداء، جاكيتات جلد، من النوع الذي تعرف من نظرتهم أنّ الأفضل أن تبتعد.
لكن سامر لم يكن مركّزًا، كان عقله بعيدًا.
وعندما اقترب منهما، صرخ أحدهما على الآخر ودفعه بقوّة إلى الخلف.
كانت الدفشة قويّة لدرجة أنّه اصطدم بسامر وتعثّر.
سقط كيس الخبز وهاتف سامر من يده.
- ولااا! إنت شو مالك؟!
صرخ الشاب بصوت عالٍ، وكأنّه يبحث عن أي مشكلة.
رفع سامر يديه بسرعة:
- يا زلمة لا عليك… بالغلط. هو اللي دَفَشك، مش أنا.
لكن الشاب الثاني اقترب، ونظر إليه نظرة طويلة.
نظرة فيها شيء مريب…
ليس غضبًا فقط…
بل تركيز.
وكأنّه يشعر أنّه رأى سامر من قبل.
قال الأوّل:
- إنت من وين؟
- من هون… ساكن هون. شو القصة؟
- شو طالِعك هون بهالوقت؟
شعر سامر بالخطر. ليس بسبب الكلام، بل بسبب طريقة الشاب الثاني الذي ظلّ ينظر إليه دون أن ينطق بكلمة.
عيناه كانتا تفحصانه، تحفظان شكله، كأنّه يأخذ صورة ذهنيّة.
قال سامر بسرعة:
- يا شباب، أنا ما دخلني. بالغلط، خلّص.
وانحنى ليأخذ هاتفه من الأرض.
لكن الشاب الأوّل مدّ رجله وداس عليه قبل أن يصل إليه.
رفع سامر نظره…
الشاب كان يبتسم ابتسامة خفيفة، لكنها شريرة.
- اسمع… لو مش إنت بدك تعمل مشكلة، ما كان صار اللي صار.
- يا أخوي، ما بدي مشاكل. خلّيني أروح.
في تلك اللحظة، خرج رجل ثالث من بين السيارات. طويل، عريض، يرتدي جاكيتًا أسود، ويمشي بخطوات لا تُصدر صوتًا. وجهه جامد، وصوته منخفض جدًا:
- شو في؟
ردّ الشاب الأوّل بسرعة:
- ولا شي… الزلمة خبط فيي.
نظر الرجل الجديد مباشرة إلى سامر.
نظرة باردة، ثابتة، تشبه نظرة قاضٍ يحكم قبل أن يسمع القصة.
اقترب خطوة:
- مين إنت؟
- اسمي سامر… ساكن بحارة الجبل… راجع على البيت.
ظلّ الرجل يحدّق فيه.
ثم فجأة ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال للشباب:
- خلّص… خلّوه. مش هو.
وبنفس السرعة… اختفوا.
الشاب الذي داس على هاتف سامر رفع قدمه، وقال:
- دير بالك وين تمشي المرّة الجاية.
ثم ذهبوا جميعًا معًا…
اتّجهوا نحو السيارة السوداء التي رآها قبل دقائق.
فتح السائق الباب الخلفي، دخل الرجل الطويل، ودخل معه أحد الشابين.
ثم انطلقت السيارة ببطء.
لكن قبل أن تبتعد تمامًا، لاحظ سامر أنّ الشاب الذي لم يتكلّم أبدًا…
كان ينظر إليه من النافذة الخلفية، بنظرة تحمل معنى واحدًا:
“عرفناك.”
وقف سامر مكانه، لا يتحرّك.
شعر بأنّ جسده ثقيل، وأنّ الهواء حوله أصبح ضيّقًا.
“مش هو؟
مين قصدوا؟
وشو بدّهم؟
وشو كانوا يعملوا هون أصلًا؟”
جمع هاتفه ونفض عنه التراب.
تقدّم بخطوات بطيئة، وقلبه يدقّ بقوّة.
ولوهلة، تضخّم إحساسه بأنّهم لم يروه صدفة، ولم يوقفوه صدفة.
كان هناك شيء أبعد… شيء بدأ يتحرّك.
وصل قرب باب بيته وهو ما زال يفكّر بالمشهد.
لكن في اللحظة التي مدّ فيها يده ليفتح الباب، وصلته رسالة على هاتفه.
فتحها.
كانت من فارس من جديد.
“سامر… رجعت مشاكل قديمة.
ضروري نشوف بعض الليلة.
قبل ما يفوت الأوان.”
وقف سامر للحظة…
وتحرّك صوت داخلي واحد:
“هاي مش مجرّد مصادفة.”
كان يعرف…
أنّ الشرارة الأولى قد اشتعلت.
وأنّ حياته، التي كانت بسيطة وهادئة، بدأت تدخل منطقة…
لا تُرى بوضوح.
ومنطقة…
لا يخرج منها الناس بسهولة.
منطقة…
تحت الظل.
