لم يكن الصباح في حياة سامر حدثًا جديدًا يُنتظر، بل كان عادة يومية تُستقبل بحركة تلقائية لا تحمل أي معنى. فتح عينيه على صوتٍ خفيف للهواء وهو يُحرّك الستارة الرخيصة المعلّقة بجانب نافذته. كانت الشمس قد بدأت تزحف إلى غرفته الصغيرة، تغمر الجدران الباهتة بنورٍ أصفر باهت يشبه حياته – موجود… لكن بلا حرارة.
نهض ببطء، وكأنّه يحمل على كتفيه وزن الأيام كلّها. مدّ يده إلى هاتفه الموضوع على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، نظر إلى الساعة: 6:37 صباحًا.
موعده المعتاد للذهاب إلى العمل، لكن جسده كان يرفض فكرة النهوض. شعر بفتورٍ داخلي، نوع من التعب الذي لا يزول بالنوم. هناك تعب أعمق، تعب يُصنع من كثرة التفكير، من ثقل المسؤوليات، من شعور دائم بأنّ الحياة أكبر منه قليلًا، ومطلوب منه أن يُمسك نفسه حتى لا ينهار.
مسح وجهه بيده، ثم نهض.
المكان حوله مرتّب نوعًا ما، لكن يمكن بوضوح أن ترى علامات الضيق. خزانة صغيرة تكاد لا تتّسع لملابسه، سرير مفرد، ومكتب يحمل كتبًا قديمة اشتراها يومًا حين كان يحلم أن يُكمل تعليمه. كان يفتح كتابًا كل فترة، يقرأ صفحتين، ثم يُعيده فوق الباقي دون أن يُكمل.
هو لا يكره الدراسة، بالعكس، كان يريد أن يصبح شيئًا أكبر من مجرّد عامل في محل أدوات كهربائية. لكنّه اختنق من الظروف، والظروف لم تُعطه فرصة.
أخذ قميصًا رماديًا وارتداه بسرعة. وقف أمام المرآة يتأمّل نفسه. شاب في الرابعة والعشرين، ملامحه ليست قاسية، فيها طيبة، لكن فيها أيضًا خطوط تعب رسمتها الأيام قبل موعدها. عيناه سوداوان، فيهما نظرة حائرة كأنّهما تسألان عن مستقبلٍ لا يأتي.
- “يلا… يوم جديد زي الباقي.”
تمتم، ثم خرج من الغرفة.
في الصالون الصغير، وجد أمّه تقف عند الغاز، تُحرّك إبريق الشاي ببطء. أم سامر كانت تشبه نوارس الشتاء، ساكنة، متعبة، لكن قوية بطريقة غريبة.
التفتت إليه فورًا عندما سمعت خطواته، وقالت بصوت خافت:
- “صحيت؟…”
- “آه يمّا.”
- “حضّرتلك شاي. بدري اليوم.”
- “لا، نفس الوقت.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة، لم تصل إلى عينيها.
كانت العلاقة بينهما علاقة حبّ صامت. هو يشعر أنّ أمّه شايلة همّه، وهي تشعر أنّه شايل همّ البيت كلّه رغم صغر سنّه.
سألته:
- “اشتريت الدوا لأبوك؟”
- “لأ… ناسي. اليوم بجيبه.”
هزّت رأسها ولم تُعلّق. لكنها شعرت بالضيق، ليس لأنها قاسية، بل لأنها مثله، تعبت من الضغط، من التذكير، من الفواتير، من الدوران في المكان نفسه.
اقترب سامر من الطاولة وأخذ كأس الشاي.
- “يمّا… بدّك شي قبل ما أروح؟”
- “الله يرضى عليك… بس دير بالك ع حالك.”
ردّ بابتسامة قصيرة، لكنه شعر بوخزة في قلبه.
كل “دير بالك” منها تُذكّره أنّه يعيش في بيئة يمكن أن تنهار في أي لحظة. صحته النفسية على الحافة، صحته المادية أقل من الحافة، وعلاقته بأبوه…
أبوه كان جالسًا على الكنبة، ينظر إلى التلفاز دون تركيز واضح. رجل في الخمسينات، أتعبته الحياة أكثر ممّا أتعبت سامر نفسه. حاول سامر أن يتحدّث معه:
- “صباح الخير يبا.”
- “… صباح الخير.”
كان الرد باردًا، أقرب إلى واجبٍ منه إلى تحيّة.
العلاقة بينهما صارت رسمية، خالية من الدفء. سنوات من سوء الفهم، من الفشل، من الضغط المالي، من المشاكل القديمة، كلّها تراكمت وتركَت بينهما جدارًا غير مرئي.
سامر لم يكن يعرف كيف يكسر هذا الجدار.
كل مرّة يحاول، ينتهي الموضوع بصوتٍ عالٍ أو عتاب.
ففضّل الصمت.
خرج من البيت وهو يسمع صوت أمّه:
- “الله معك يمّا…”
- “معِك.”
في الطريق، كان يمشي بخطوات ثابتة، يده في جيبه، عيناه على الأرض. الطريق المؤدّي إلى المحل يمرّ بين بنايات سكنية قديمة، محلات صغيرة، وسيارات مركونة بطريقة عشوائية.
كل شيء في هذا الشارع أصبح جزءًا من روتينه:
الجار الذي يكنس أمام محلّه، الولد الصغير الذي يذهب إلى المدرسة، السيدة التي تبيع خبزًا من نافذة بيتها.
الحياة ماشية… لكن سامر مكانه.
وصل أمام المحل، محل أدوات كهربائية صغير، واجهته فيها رفوف مليئة بلمبات، وكابلات، وأفياش، ورائحة غبار قديم مختلطة بالحديد.
سحب المفتاح من جيبه وفتح الباب الحديدي.
الصوت كان عاليًا، لكنه يحبّه. يُذكّره أنّه على الأقل يعمل… ويحاول.
دخل وشغّل الضوء، فظهر المكان بوضوح.
رفوف ممتلئة ببضاعة غير منتظمة، كراتين مفتوحة، مكان ضيّق، لكنه بيته الثاني.
والسبب بسيط، لأنّه المكان الوحيد الذي يشعر فيه أنّه يفعل شيئًا ملموسًا، مهما كان صغيرًا.
ما إن رتّب الرف الأوّل حتى دخل صاحب المحل، أبو ماهر. رجل خمسيني، طيب لكنه بخيل. يحب سامر لأنه شاطر، لكنه يرفض أن يزيد راتبه.
- “صباح الخير سامر.”
- “صباح النور عمّو.”
- “وصلت بدري اليوم… منيح. في شغل كثير.”
هزّ سامر رأسه بابتسامة تعب.
- “عادي… شو في اليوم؟”
- “بدنا نرتّب البضاعة الجديدة، وفي توصيليات بعد الظهر.”
- “تمام.”
بدأ سامر عمله.
رفع كراتين، أنزل بضائع جديدة، مسح رفوفًا، وتحمّل ملاحظات أبو ماهر التي لا تنتهي.
لكنّه كان صبورًا، ربّما لأنه لا يملك خيارًا آخر.
مع كل حركة، كان يفكّر:
“لو كنت درست… لو اشتغلت مكان أحسن… لو عندي سيارة… لو عندي مصاري… لو علاقتي مع أهلي أريح…”
عشرات الـ “لو” التي يشعر أنّها تحاصر حياته.
عند الساعة 12:30، جلس على الكرسي خلف الكاونتر.
أخذ لقمة من السندويش الذي أحضره معه، وأمسك هاتفه ليمضي الوقت.
فتح الأخبار، أغلقها بسرعة.
فتح فيسبوك، ضاق.
فتح إنستغرام، فوجد الناس جميعهم يعيشون “حياة مثالية” باستثنائه.
ضحك بمرارة وأطفأ الهاتف.
لكن قبل أن يضعه على الطاولة، اهتزّ في يده.
رسالة جديدة.
فتحها…
وتجمّد.
“سامر… وينك من زمان؟ لازم نحكي.”
- فارس
اسم واحد فقط، غيّر كل مزاجه.
فارس…
صديق طفولته، رفيقه الذي كان يعرف كل أسراره، الشخص الذي كبر معه، والذي اختفى فجأة من حياته قبل ثلاث سنوات دون تفسير.
اختفى، لكن سمعته لم تختفِ.
سامر سمع قصصًا عنه، قصصًا غير مريحة، قصصًا وصلته من ناس كُثر، بعضها مخيف، وبعضها غير قابل للتصديق.
وفجأة، كل هدوئه المزيّف بدأ ينهار.
بدأ يشرب ماءً، يدقّ بإصبعه على الطاولة، يحاول أن يفهم:
“ليش رجع؟ ليش هسّه بالذات؟
شو بده؟
وليش أنا؟”
وضع الهاتف على الطاولة، لكنه بقي ينظر إليه وكأنّه قنبلة.
لاحظ أبو ماهر شروده:
- “شو مالك يا سامر؟”
- “ولا إشي… تعبان شوي.”
- “تعبان من شو؟ ما إنت طول الليل نايم.”
- “عمّو… مش كل تعب من النوم.”
هزّ أبو ماهر كتفيه وعاد إلى عمله.
لكنّه لم يكن يعرف أنّ سامر في تلك اللحظة…
كان يشعر بشيء يتحرّك داخل حياته، شيء ثقيل، شيء غامض، شيء قادم من ماضيه، ويفتح بابًا كان يجب أن يبقى مغلقًا.
عاد سامر إلى عمله، لكن ذهنه لم يعد في المحل.
كان يفكّر في فارس، في حياته، في يومه، في مستقبله.
وفي داخله، كان يعلم – ولو بشكل خفيف – أنّ هذه الرسالة…
ليست رسالة عادية.
هي الخط الأوّل…
الخيط الأوّل…
الشرارة التي ستعيد رسم حياته كلّها.
الخيط الذي سيأخذ سامر…
من الهدوء
إلى العاصفة.
الذي سيأخذه…
تحت الظل.
