يومًا ما، سأتسلل إلى خمّ جارتنا “فريشة”، وسأمسك ذلك الديك الملعون وأذبحه، وإن كان هناك رجل في آل الشارب، فليحاسبني!
ـ يا رجل، ما لك وما له؟ دعك منه، هذا الكلام سيجلب لك المصائب!
ـ أنا أعود متعبًا من سهرتي، وما أن أغفو حتى يبدأ هذا الديك بالصياح إلى يوم توعدون! لقد قلت لفريشة ألف مرة: “أسكتي ديكك، إنه يزعجنا!”
كان ديك آل الشارب ديكًا عربيًا ملونًا، منفوش الريش، صاحب إطلالة وهيبة، له عُرف كالتاج الأحمر، وكلما يدجّ الأرض تهرب منه دجاجات القرية، معلنًا حظر التجول بينهن. لم يكن ديك جارتنا منتوف الريش أو مغبر الوجه، بل وكأنّ فريشة تكوي ريشه، تحممه كل يوم، وتمشط عُرفه فوق رأسه.
بداية الكارثة
ذات يوم، عاد أخي وعيونه تقدح شررًا، لا يرى أمامه إلا ما يستفزه. لقد خسر هيبته على طاولة “الطرنيب” بعد أن مكث في جمعها وتكوينها أكثر من عشرين سنة… وما أن ألقى نفسه لينام حتى بدأ ديك فريشة بالصياح!
تململ، ثم تناول عصا واندفع باتجاه خمّ فريشة. وقف في المنتصف، وحوله دجاجات فريشة مثل أرقام الساعة حول العقرب، بينما كان الديك يقفز ويبقبق غضبًا. صار أخي يضرب بالعصا ضربات عشوائية حتى أصاب الديك في رجليه، وأخذ يشتم الديك وأصحابه.
فصاحت فريشة:
“يا عالم، يا هو! حرامي ذبح الديك!”
هرب أخي نحو سريره لينام.
ولكن بعد قليل… هجمت عصابة آل الشارب نحو بيتنا، كل واحد منهم يحمل عصًا أطول منه، ويرددون:
“أين الرجل؟ فليخرج!”
“أين حرامي الدجاجات؟”
اندلاع الحرب
دقت طبول الحرب، وخرج رجال عائلتنا… بدأ القتال!
كُسر زجاج البيت، تناثرت قوارير الورد، أصيب أبي برأسه، وأنا التهمت حجرًا في عيني!
ثم جاء الدعم إلينا، فاندفع رجالنا نحو آل الشارب، هجّروا الدجاج من الخم، قطعوا الزرع والورود، أشعلوا النيران… وأصيبت فريشة وهي تحاول التفريق بين ديكين متناحرين!
بدأت الحجارة تتطاير مثل أبابيل آل الشارب، وردّت عائلتنا بالمجانق، فأصيب جدي وعمي… واشتد الشجار.
يا إلهي! لم يبقَ أحد واقفًا… أين أخي؟
كان ما يزال نائمًا!
الفصل الأخير
النساء تولول، وأخريات يدققن البصل، والصراخ يعمّ المكان. كانت فريشة تحمل ديكها الأعرج وبضع دجاجات إلى حيز الأمان.
وبينما كانت صلاة الجمعة على الأبواب، بدأ أهالي القرية يتوافدون لفض الشجار، حتى جاء المختار، فهدأت النار وسكن القتال.
وأخي؟ ما زال نائمًا.
وصلت سيارات الإسعاف، وحملت الجرحى، بينما جُبّرت أرجل ديك فريشة.
أمر المختار بأن نرحل، فجمعنا حاجياتنا، الملابس، الحقائب، وبعض الفرش… ثم حملنا أخي النائم، ورحلنا.
الصلح المشوي
بعد أسابيع، تدخلت لجنة الإصلاح لإعادتنا إلى القرية.
أُقيم حفل صلح مهيب في ساحات آل الشارب، بحضور القامات العريقة والرجال بالحطة والعقال. تعانقنا، وتعاهدنا على حفظ الجيرة وصون القلوب والمحبة، وألّا نتهجم على بعضنا مجددًا.
وامتدت الموائد بأشهى المأكولات وأدسم الوجبات، يتصدرها ديك فريشة العاري والمشوي، المحشو بالأرز والخضروات، بجانب المناسف المدججة باللحم بجميع أشكاله وألوانه.
سُررنا بالصلح والطعام، وعمّ الود بين العائلتين، وعاد كلٌّ إلى بيته.
أما أخي، فصار يعود متى يشاء، ويغرق في نومه بسلام، دون صياح ولا بقبقة.
