عين القلبة | بقلم أحمد جعايصة

عين القلبة
كلّ واحد في مكانه... الأمور جيدة جداً، أبو المجد يراجع الملفات، ووناسة تبحلق في شاشة حاسوبها نحو أمورٍ مهمة، وممدوح يحمل مكنسته ويرقص معها "سلو" على بلاط المدخل، وبشيرة تحدق إليه وتتخيل أنها مكان المكنسة، والحارس جواد يقف شادّا أفخاذه، فاتحاً صدره ويترقب...

وأخيرا سوف نتنزه!
هكذا قال أبو المجد بعد أن اقتحم مكتبي ومعه أثقال من ورق، كي أراجعها.
_ صحيح، يوم الأربعاء سنذهب إلى نزهة، لذلك انهِ أمر هذه الملفات قبل النزهة…
وانصرفَ أكثرُ الموظفين تكبراً، دائماً أنفه نحو السماء، وصوت كعب حذائه يحذر الموظفين من قدومه، فإنه لا يرى أحداً أمامه، ولا يسرّ لأحدٍ بال.
له قدرة رهيبة في استنباط العيوب، ثم تبهيرها وإيصالها إلى الرئيس فتحي الباشا، ولا أحد يقدر عليه إلا وناسة، “السكرتيرة، قريبة الرئيس”، فإنها أشد منه عجرفة، وألهبُ منه ذكاءً وتطلعاً، وتسيطر عليه كما تسيطر علينا كلنا، فإذا أمرت نفذنا، وإذا نهت امتنعنا، حتى كدنا نظن أنّها الرئيس، فامتثلنا من أجل لقمة العيش، وأشياء أخرى…

وبعد قليل، جاء ممدوح حاملاً “صينية القهوة”، وقدّم لي القهوة وقال:
_ صحة، صحيح، يوم الأربعاء سنذهب إلى نزهة، هل أسجلكَ؟
_ آه…
يا له من أبله! قهوته دائماً مضطربة، أحياناً خفيفة وكأنها ماء مصبوغ، وأخرى ثقيلة وكأنها مجبولة، لكن سنشربها ونحن صامتون حتى لا يعتب علينا الرئيس…
أو تزعل “بشيرة” المحاسبة، فلقد علمنا أنهما بعلاقة حب غريبة التراكيب… لا علينا…

إن الأوراق تتراكم فوق رأسي، و”تلفوني” يعزف رناته.
_ ألوو؟
_ هذا قصي، ابنكَ الكبير، هنا عند بوابة البلدية، يريد أن يدخل إليك، هل أدخله؟
_ حسناً…
_ صحيح، يوم الأربعاء سنذهب إلى نزهة، هل أسجلكَ؟
_ آه…

جاء الرئيس “من أقصى المدينة يسعى”.
كلّ واحد في مكانه… الأمور جيدة جداً، أبو المجد يراجع الملفات، ووناسة تبحلق في شاشة حاسوبها نحو أمورٍ مهمة، وممدوح يحمل مكنسته ويرقص معها “سلو” على بلاط المدخل، وبشيرة تحدق إليه وتتخيل أنها مكان المكنسة، والحارس جواد يقف شادّا أفخاذه، فاتحاً صدره ويترقب…
وقصي أمامي يجلس يحدثني عن المدرسة، وقصة المعلمة التي أنجبت توأماً، ثم قال:
_ صحيح يا أبي، يوم الأربعاء سنذهب إلى نزهة، وطلبوا منا مئة شيقل، هل أسجل؟

دعانا الرئيس فتحي الباشا إلى اجتماع، للحديث عن النزهة، فقد جهزوا قاعة الاجتماعات، وأغلقوا البوابات والباب الرئيسي، وبدأ الاجتماع في الحديث عن سيرورة النزهة.
قال الرئيس:
_ إذن، يوم الخميس سنذهب إلى نزهة في “عين القلبة”…
تقاسمنا اللوازم، وبدأ كل موظف بكتابة ما يتوجب إحضاره…

وقصي يشدني من معطفي قائلاً:
_ لماذا أسموها “عين القلبة”؟ هل انقلبت؟…
_ هص…

وأخيراً جاء اليوم الموعود، تجمعنا خارجاً، أبو المجد في المقدمة، ووناسة بعده، ثم بشيرة، وممدوح، والحارس، وعمال الكهرباء والتصليحات، وكلّ واحد يحمل أغراضه: اللحم، الفحم، الكانون، الفواكه والخضروات، الخبز، والسلطات، والقهوة، والمسليات، والدربكة، والعود، وكل شيء.
نعم… سنذهب اليوم إلى نزهة.

جاءت الحافلة…
_ الكل موجود، ويبدو أنّ بطارية منبه الرئيس قد ماتت بظروف غامضة.
ضحك الكل، إلا الرئيس…

بعد قليل، وصل الرئيس، وصعدت العلب الحمراء إلى الحافلة…
ونحو “عين القلبة” اتجهنا…
كانت عين القلبة تبعد عن بلديتنا حوالي الساعة سفراً، يزورها الناس في الأعياد لجمال طبيعتها، وازدهار أشجارها، وطيب جوّها.
ولما وصلنا، اتخذنا مكاناً يخصنا، الرجال تحمل الأغراض وتبحث عن مستقر لها، والنساء يقطفن الخبيزة عن حاشية الطريق.

ثم اتخذنا نَصْبَنا، بين مجموعة أشجار، تقابلُنا عين القلبة، مع خلفية موسيقية من هدير الماء، فبدأ الشواء، لحوم تنحدر، ودخان ينتشر، ونكات وفرح يعم المكان،
وغناء وعزف رهيب! يا لهذا الحفل المهيب!
فعلاً نزهة منتظرة…

تناول ممدوح ركوة القهوة، وهمّ بها نحو العين، فملأها، ووضعها على النار ليحضّر قهوة عربية أصيلة…
شربنا القهوة…
ودارت الحوارات بيننا…
ما زال سؤال قصي، ابني، يدور في رأسي، فسألت ذات السؤال لزملائي:
_ لماذا سُميت عين القلبة بهذا الاسم؟
فأجاب الحارس:
_ لأنها منقلبة من أعلى الجبل.
وقال السائق ضاحكاً:
_ لأنها تقلب حال من يشرب منها.
وضحكنا فرحين، دون ممدوح، الذي كان ينظر إلى بشيرة ووجهه يتلون بلون الحزن…

بدأت الشمس تودعنا، وبدأنا في جمع أغراضنا، وعدنا إلى بيوتنا، بعد يوم جميل حقاً، قضيناه في نزهة “عين القلبة”.

في اليوم التالي، استيقظت من نومي، وهيأت نفسي للوظيفة، وقد لاحظتُ أن عضلاتي قد كبرت فجأة، ربما من لحم الأمس… وغدوت دون توقف نحو الوظيفة.
وجدتُ نفسي أقف جانب غرفة الحارس، شادّاً أفخاذي وصدري، أستقبل أبا المجد وهو يلبس “مريولته” ويقدم لي فنجان القهوة، ورأيتُ ممدوحاً يلبس “بدلة” عرس، ويحمل ملفات مسرعاً بها إلى الداخل، فلحقت به، وإذا به يقدمها لفتحي الباشا، ويؤشر عليها بسبابته قائلاً:
_ أنهِ شأن هذه الملفات قبل نهاية اليوم…

يا الله!
كل شيء تغير…
وَنّاسة تجلس في مكتب المحاسبة،
وبشيرة في الاستقبال، تضع يدها على خدها وتنظر إليّ دون انقطاع…
ثم جاء إلي جواد، يمشي بتلكؤ، ضاماً يديه وراء ظهره، متلصصاً، وقال:
_ ما الذي أتى بكَ إلى هنا؟ عد أدراجكَ سريعاً.
فخرجتُ أركض في الشوارع دون توقف، أبحث عن سائق الحافلة.

عين القلبة | بقلم أحمد جعايصة
عين القلبة | بقلم أحمد جعايصة

أحمد جعايصة
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات

اكتشاف المزيد من متجر أدونيس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق