الليل كان أسودَ كثيفًا، وكأن السماء نفسها تتآمر على كل خطوة، على كل فكرة. جلس سامر في سيارته المتوقفة خلف المخزن القديم، يتنفس بصعوبة. قلبه ينبض بقوة، والعرق يتصبب على جبينه، وكل جسده مشدود، كأنه يعرف أن هذه الليلة لن تمر بسلام.
أيام من الخوف، الكوابيس، والتجارب التي لم يكن يتخيلها… كل شيء قاده إلى هذه اللحظة.
فارس… الرجل الذي كان صديقًا، الذي وثق به، الذي كان معه في كل مهمة… صار الآن مصدر تهديد حقيقي. الخيانة، التهديدات، وكل ما فعله في الخفاء أصبح واضحًا، وكان وقت المواجهة قد حان.
جلس سامر لحظة، محاولًا أن يركّز. كل خلية في جسده كانت في حالة تأهب. تذكر البداية: التوصيلات الأولى، الشحنات الثقيلة، الدم، الخوف، جهاد الذي يراقبه من بعيد، نادر الذي يقترب، وكل خيانة صغيرة من فارس تراكمت… حتى انفجرت الآن.
سمع خطوات خلفه.
فارس.
ظهر فجأة، يحمل حقيبة صغيرة. لم يعد الشخص نفسه. نظراته حادة، والابتسامة الباردة التي اعتادها سامر اختفت، واستبدلت بنظرة مليئة بالغضب والتحكم.
– سامر… وقت المواجهة وصل.
قالها بنبرة صارمة، بلا أي مشاعر.
تنفس سامر بعمق، لكن ارتعاشه لم يختفِ.
– ليش؟ ليش كل هالشي يا فارس؟
اقترب فارس خطوة.
– مش أنا اللي خنتك… أنت اللي—
توقف سامر. الكلمات لم تعد تنفع. كل شيء تجاوز مرحلة التبرير.
الجو أصبح مشحونًا. كل حركة، كل نظرة، كل نفس… كان قابلًا للانفجار.
وفجأة، مد فارس يده.
ظهر سكين صغير.
تجمد الوقت للحظة.
تراجع سامر خطوة، قلبه يدق بعنف، لكنه لم يهرب. كان يعرف أن أي تراجع الآن قد يكلّفه حياته.
– لو حبيت تلعب… أنا جاهز.
قالها بصوت صارم يخفي رهبة عميقة.
ابتسم فارس ابتسامة قصيرة، باردة:
– جاهز؟ ما كنت متأكد إذا عندك الشجاعة الكافية.
وانطلقت الحركة.
هجوم مفاجئ.
سكين يلمع تحت الضوء الخافت.
تصادم جسدين.
تصدى سامر للضربة الأولى، لكن الجروح بدأت تظهر على ذراعيه. ألم حاد، دم دافئ، لكنه لم يتراجع. كل خبراته السابقة، كل المواجهات الصغيرة، كل لحظة خوف… تجمعت في هذه الثانية.
فارس كان يهاجم بلا رحمة. كل ضربة تحمل غضبًا وسيطرة.
الخيانة لم تعد فكرة… أصبحت سكينًا حقيقية.
في لحظة خاطفة، سقطت الحقيبة أرضًا. التقطها سامر بسرعة، واستخدمها لصد هجوم جديد. كانت فرصة صغيرة، ثغرة وسط الفوضى.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.
انزلقت قدم فارس على أرضية مبللة بالمطر.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
اندفع سامر بكل ما تبقى فيه من قوة.
دفعه بعنف.
سقط فارس أرضًا.
الحقيبة تمزقت، ومحتواها تناثر.
القتال صار أكثر عنفًا. الدماء تناثرت، الأنفاس تسارعت، والألم اختلط بالغضب. سامر لم يعد الشاب الذي يحاول النجاة… أصبح شخصًا يقاتل من أجل حياته، من أجل حريته، من أجل كل شيء خسره بسبب فارس وجهاد وهذه الشبكة.
في لحظة حاسمة، قبض على ذراع فارس بقوة، ضغط حتى سقط السكين.
النظرات التقت.
غضب.
تهديد.
اعتراف صامت بأن موازين القوة تغيّرت.
وانتهى كل شيء فجأة.
استلقى فارس على الأرض، ينزف.
الصمت عاد ثقيلًا بعد كل الصراخ والعنف.
وقف سامر، يتنفس ببطء، يحاول استيعاب ما حدث. الدم على الأرض، الجروح على جسده، المطر الذي يواصل السقوط… كل شيء بدا وكأنه مشهد من حياة أخرى.
نظر إلى فارس.
إلى الحقيبة الممزقة.
ثم إلى السماء المظلمة.
هذه المعركة انتهت.
لكن الطريق… لم ينتهِ.
جلس على الأرض، يحاول التقاط أنفاسه. الدم يجف على جلده، لكن الألم الأكبر لم يكن في الجروح. كان في الخيانة. في الحقيقة القاسية التي تكشفت بالكامل.
عرف الآن أن لا أحد في هذه اللعبة صديق حقيقي.
جهاد، فارس، نادر… كل واحد منهم قادر أن يتحول إلى خطر في أي لحظة.
لكنه عرف أيضًا شيئًا آخر.
القوة الحقيقية ليست في السيطرة.
ليست في السلاح.
ولا في التخويف.
القوة الحقيقية… في القدرة على الصمود.
الليل استمر، المدينة صامتة، المطر يتساقط، وسامر يجلس وسط الدماء، ينظر إلى يديه… وإلى الطريق الذي لم يعد فيه رجوع.
اليوم، المواجهة مع فارس انتهت بنهاية دامية.
لكن كل قرار من الآن فصاعدًا…
قد يكون الفارق بين الحياة والموت.
