الليل كان مظلمًا وثقيلًا، وكأن المدينة نفسها تتنفس بخوف. جلس سامر في غرفته، ينظر من الشباك إلى الشارع الفارغ، إلى المطر الذي بدأ يخفّ، وإلى الأضواء المتقطعة المنعكسة على الزجاج. كل شيء حوله هادئ… لكن داخله كان عاصفة لا تهدأ.
بعد ليلة الحصار التي فرضها نادر، وبعد كل المشاجرات والصراعات داخل الشبكة، شعر سامر لأول مرة أن جسده وعقله يصرخان من الإرهاق. كل خطوة خاطئة، كل حركة محسوبة… كل شيء أصبح ثقيلًا.
جلس على حافة السرير، ووضع رأسه بين يديه. قلبه ما زال ينبض بسرعة. الدم الذي رآه، العنف، الخيانة الداخلية من فارس… كل شيء كان يلاحقه في كل لحظة. فجأة، خطرت له فكرة:
الهروب.
لم تكن فكرة عابرة. كانت حلًا لكل الخوف، لكل الضغط النفسي، لكل التوتر الذي يثقل قلبه منذ أشهر. السفر بعيدًا، الابتعاد عن فارس، عن جهاد، عن الشبكة، عن نادر… الابتعاد عن كل شيء، حتى عن ليان. كل ذلك بدا فجأة مغريًا.
فتح جهاز الكمبيوتر، وبدأ يبحث عن طرق السفر: رحلات طيران، جوازات سفر مزورة، وحتى احتمالات العبور عبر الحدود البرية. كل شيء بدا ممكنًا… إذا كان سريعًا وحذرًا.
لكن في اللحظة نفسها، سمع صوت الباب يُفتح.
جهاد.
دخل الخال إلى الغرفة، ونظراته حادة كأنها تخترق كل زاوية في جسد سامر. لم يتكلم في البداية. وقف عند الباب فقط، يراقبه.
حاول سامر التظاهر بالهدوء:
– شو… شو بدك هون؟
ابتسم جهاد ابتسامة قصيرة، باردة:
– فكّرت تهرب؟
في تلك اللحظة، انهارت كل أفكار الهروب.
– أنا… بس كنت عم أفكّر… الوضع…
حاول سامر أن يشرح، لكن الكلمات علقت في حلقه.
اقترب جهاد خطوة، ثم وقف أمامه، يضغط عليه بحضوره فقط:
– سامر… العالم اللي إنت داخله ما بيسمح بالهروب. كل خطوة، كل قرار… محسوب. وإذا فكّرت تهرب، رح تعرف شو معنى الخسارة الحقيقية.
شعر سامر بقشعريرة تسري في جسده.
كل خطوة محسوبة… وكل خيار خاطئ يعني النهاية.
جلس جهاد على حافة السرير، ولم يبعد نظره عنه:
– فارس، الشبكة، وكل الأشخاص اللي بتثق فيهم… ولا واحد فيهم رح يحميك. لو فكّرت بالهروب، رح تخسر كل شيء. حتى اللي بتحبه.
حاول سامر أن ينظر بعيدًا، لكن عينيه اصطدمتا بظل الخال على الحائط. إحساس كامل بالحصار، وكأن كل الطرق أُغلقت دفعة واحدة.
تذكر ليان. وجهها. نظرتها المليئة بالقلق والحب.
– أنا… أنا ما بقدر أخسرها…
قالها بصوت منخفض، كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يحدّث جهاد.
ابتسم جهاد، لكن ابتسامته لم تكن ودية:
– وهذا بالضبط السبب اللي لازم تكون حاضر فيه. إذا كنت ضعيف أو مشتّت، رح تخسر كل شيء، سامر. مش بس ليان… حتى نفسك.
سمع سامر وقع خطوات على الدرج.
فارس.
ظهر عند الباب فجأة، نظراته مركّزة وصارمة:
– جاهز للتحرك؟
نظر سامر إليه. شعر بالغضب والضيق، لكن لم يعد يملك القوة على الرفض. كل شيء صار خارج سيطرته.
خرجوا معًا. جهاد يتبعهم عن قرب، فارس يقود السيارة بثقة، وسامر يجلس في المقعد الخلفي محاولًا أن يتنفس بعمق. كل شارع يمرون به، كل ضوء، كل سيارة… إحساس بأن العالم كله يراقبه، وأن أي خطأ سيكلفه كل شيء.
عاد يفكر بالهروب، بالتخطيط، بكل الإمكانيات التي كانت أمامه. لكن في كل مرة يرفع رأسه، يرى وجه جهاد في المرآة، نظرة لا تترك مجالًا لأي خيار.
وصلوا إلى مكان جديد، مخزن صغير على أطراف المدينة، لم يره سامر من قبل. أوقف فارس السيارة، نزل أولًا، ثم أشار له بالاقتراب.
في الداخل، بدأت المهمات الجديدة. صناديق أكبر، أكياس أثقل، وجهاد يراقب كل حركة عن كثب.
شعر سامر بشيء ينهار داخله. الإرهاق، الخوف، الضغط… كل شيء تراكم. حاول أن يتحرك كالمعتاد، لكن كل عظمة في جسده كانت متعبة، وكل عضلة تصرخ.
بعد دقائق، توقف فجأة. قلبه يخفق بسرعة، ويداه ترتجفان.
لاحظ جهاد ذلك، واقترب منه بصوت حاد:
– مش قادر؟
حاول سامر أن يبتسم، لكنه فشل:
– لا… قادر… بس تعبان شوي.
ابتسم جهاد ابتسامة قصيرة، ثم رفع حاجبه:
– التعب مش عذر. يا بتكمل، يا رح تعرف معنى السقوط.
كان واضحًا أن الهروب أصبح مستحيلًا. كل محاولة ستُواجه بيد الخال، أو بيد فارس، أو بيد نادر الذي يقترب أكثر من فكّ الخيوط.
جلس سامر لحظة على صندوق فارغ، يحاول أن يهدأ. فكّر بكل الخيارات، لكن كل خيار بدا مسدودًا. كل خطوة خارج الخط، وكل لحظة ضعف، قد تكلّفه حياته… وحياة من يحب.
عاد إليه فلاش باك قديم: أيام المراهقة، دفاعه عن ليان، الدم، الخوف، الشعور بالمسؤولية. نفس الإحساس، لكن الآن مضاعف. لم يعد مسؤولًا عن شخص واحد، بل عن شبكة كاملة، عن حياة لم يخترها، وربما لم يعد قادرًا على السيطرة عليها.
مرّت ساعات، والعمل استمر بلا توقف. كل حركة محسوبة، وكل خطوة تحت مراقبة صارمة. شعر سامر أن كل دقيقة هي سجن، وأن أي خطأ صغير سيكون ثمنه كبيرًا.
في لحظة هدوء قصيرة، نظر من نافذة المخزن. رأى المطر يتساقط على الزجاج. نفس المطر الذي رآه من قبل، لكنه الآن بدا رمزًا للحصار، للحياة التي اختنق فيها، وللطرق المغلقة كلها.
اقترب فارس، ألقى عليه نظرة، ثم قال:
– خلصنا تقريبًا. بعد شوي، رح تروح لبيت نادر وتكمّل المهمة الليلة. لا تفكّر بأي هروب… كل طريق مسكّر.
تضاعف الذعر داخله.
البيت، الشبكة، نادر، فارس، جهاد، ليان… كل شيء صار دائرة مغلقة تحاصره من كل الجهات.
جلس مرة أخرى على الصندوق. قلبه يئن، يداه ترتجفان، وفكرة الهروب انهارت تمامًا.
صار كل شيء واضحًا:
الطريق الوحيد للبقاء… هو الاستمرار.
الدخول أكثر فأكثر، حتى لو خسر جزءًا كبيرًا من نفسه في الطريق.
وفي تلك اللحظة، أدرك حقيقة مؤلمة:
لم يعد سامر الشاب البسيط، الذي كان يحلم بالحرية والحب والهدوء.
صار جزءًا من لعبة أكبر من قدراته، أكبر من أحلامه، وأكبر من حياته نفسها.
الليل انتهى، لكن العبء بقي.
وكل ما تبقّى له… انتظار الخطوة التالية،
والرهبة مما سيأتي،
ومعرفة أن كل محاولة هروب، مهما بدت ذكية،
ستنتهي بالاصطدام بيد الخال جهاد.
