في الحلقة الماضية، تعرفنا على آدم، الطفل الذي لم يكن عاديًا. نشأ في زقاق ضيق، ورغم صغر سنه، كان يسأل أسئلة عميقة عن الحياة، مما جعله “مشكلة” في نظر والده. بدأ تمرده الأول على جدران المدرسة وداخل البيت، مدركًا أن من غير الطبيعي أن يعيش الإنسان خائفًا أو أن يضطر لتمثيل دورٍ حتى يعيش. والآن، يستمر آدم في رحلته في عالم لا يتقبل صوته.
كان الطابور الصباحي في المدرسة يشبه طقسًا من طقوس الدفن. كان الطلاب يقفون بملل تحت الشمس ، وآدم كان يقف في آخر الصف، لا على العلم ، بل على الباب الخلفي للمدرسة. لم يكن يحب أن يبدأ يومه بتحية علم لا يشعر أنه يمثله، ولا أن يردد نشيدًا حفظه غصبًا.
صرخ المعلم المسؤول: “آدم! ليه مش رافع صوتك؟”. رد آدم بنبرة هادئة لكنها ثابتة: “أنا ما بحب أصرّخ على شي ما بفهمه”. ساد الصمت للحظة، والتفتت عيون الطلاب نحوه كأنهم سمعوا جريمة. اقترب المعلم، وشده من يده قائلًا: “ما بدك تصير بني آدم؟ التزم!”. لكن آدم شد يده ومشى وحده إلى الصف.
في الصف، كان درس “الهوية والانتماء”. طلبت المعلمة من الطلاب أن يكتبوا عن أنفسهم. بينما كتب الجميع “أنا طالب مجتهد” أو “أنا ابن عائلة تحب النظام” ، كتب آدم بسطر واحد: “أنا صوت مش لاقي له مكان”. سألته المعلمة: “شو تقصد بهالكلام؟”. أجاب: “يعني ما بعرف أكون زي الكل… حتى لو حاولت”.
أخذته المعلمة إلى المدير. كان مكتبه باردًا، ونظر إليه المدير كما ينظر الجندي إلى سجين. قال المدير: “آدم… أنت مشكلة”. رفع آدم حاجبه وقال: “أنا بس بقول اللي بفكر فيه، ما كنت بعرف إنه التفكير صار تهمة”. أعطاه المدير ورقة وقال: “خذها لأبوك… وبصمها، وارجع بكرا مع ولي أمرك”.
خرج آدم، لكنه لم يكن خائفًا. شعر بشيء غريب لأول مرة: رضا داخلي، ليس لأنه على حق فقط، بل لأنه عبّر عن نفسه أخيرًا بدون خوف. في تلك الليلة، مزق أبوه الورقة وصرخ عليه حتى سكت الحي. ضربه، ثم قال له: “إذا ما تعلمت تنكسر، الحياة رح تكسرك!”. لكن آدم، وهو ممدد على الأرض، تمتم في سره: “أنا يمكن أنكسر بس ما راح أصير نسخة منكو”.
هل سيتعلم آدم كيف يسكت كما يريد والده والمجتمع؟ وماذا سيحدث عندما يكبر في السن وتكبر معه أفكاره؟ وهل سيجد طريقة أخرى للتعبير عن نفسه غير الكلام؟
لا تفوتوا الحلقة القادمة من “المتمرد” بعنوان: “فكرة في الزاوية“.
