طاولة واحدة تكفي – أحمد جعايصة

بلا عنوان - أحمد جعايصة

تقول إحدى الفتيات في المقهى حينما قدّمتُ لها قهوتها وهي تبتسم وتكبس على خدها الناعم بأُنملة ملوّنة:
– لقد تأخر حبيبي، يبدو أنّه عالق في أزمة السير. حينما يأتي سنطلب ثانيةً.

وترد الأخرى:
– وحبيبي أيضًا تأخر، يا لها من صدفة مشتركة بيننا!

الساعة الحادية عشرة ظهرًا، وطاولات المقهى محجوزة. على كل طاولة تجلس فتاة متألقة وكأنها لوحة رسمت نفسها وتحدّت مرآتها الصباحية، تهزّ قدميها بتوتر منتظرةً حبيبها الواعد، وكأنّ لا زبائن سوى الفتيات العازبات.
يقبل زبائن آخرون ولا مكان لهم للجلوس، لقد اقتُحم المكان!
منظرٌ غريب، المقهى أشبه بغرفة محاضرات.

كلما أقبل شاب، التفتن نحو الباب بحركة تلقائية واحدة متناسقة، يتنهدن فنسمع سمفونية متناغمة فنطرب.

تقول فتاة:
– أنا أعرفه جيدًا، صحيح أننا نتحدث منذ فترة افتراضية ليست بالطويلة، لكنني عرفت روحه، ودخلتُ عالمه، وحفظته عن ظهر قلب. الآن يفتّش لي عن هدية، فإنّه لا يحب أن يلوّح بأياديه عند اللقاءات كما حدثني.

وتقول أخرى:
– إنما حبيبي، لقد أخذ فسحة من العمل حتى يلقاني، فهو يهتم بي كثيرًا ويفضّلني على كل اهتماماته.
– ماذا يعمل حبيبك؟
– إنه مهندس. وحبيبك؟
– إنه طبيب.
قالت فتاة:
– حبيبي محامٍ.
– حبيبي رجل أعمال.
– حبيبي تاجر سيارات.
– وكيل تأمين.
– مسؤول.
– ممرض.
– عامل اجتماعي.
– عامل نظافة.

فضحكن في عجب!

رويدًا رويدًا، أخذ الجو ينثني على بعضه، فقالت فتاة:
– إذن، بحكم هذه الصدفة التي جمعتنا، دعونا نرصّ الطاولات ونجتمع على واحدة كبيرة، لتتحدث كل واحدة بلمع عينيها ورقة خطابها عن حبيبها الواعد.

ولم يعدن يلتفتن نحو الباب إن أقبل أحدهم.

وفجأة، دخل إلى المقهى عامل التنظيف، يلبس سترةً صفراء، حاملًا مكنسة بيده، وتوجّه إليّ وقال:
– أريد “إسبرسو طويل”.
فأخرج جزدانه السمين من جيبه وقال:
– خذ حسابه وحساب عشرة أكواب أخرى، واحتفظ بالباقي.

فقامت الفتاة نحو حبيبها الواعد ليشربا القهوة بعيدًا عن المؤتمر الذي يجري في الداخل.
وخرجا وهما يناظران محطة الانتظار…

وعندكم الباقي.

طاولة واحدة تكفي – أحمد جعايصة
طاولة واحدة تكفي – أحمد جعايصة

أحمد جعايصة
5 1 vote
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات

اكتشاف المزيد من متجر أدونيس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق