حتى منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، كان مصطلح “تسعيني” يطلق بفخر على الأبطال الذين صمدوا في وجه الحروب العالمية، وعاشوا حتى التسعينات من عمرهم ليصبحوا أعلامًا للتاريخ. أما اليوم، فـ”تسعيني” يصف أبطالًا من نوع آخر… أبطالًا تحدوا قوانين الطبيعة، وتخرجوا من أصعب معركة معروفة للإنسانية: الثانوية العامة! ثم أُلقوا في ميدان البطالة، حيث يحاربون للحصول على عمل، فيزا، أو حتى “لايك” على منشور يعبر عنهم.
في اللغة العربية، “التسعينيات” مصطلح رسمي، لكنه طويل وصعب، وحرام حياتهم أصعب من امتحان رياضيات الساعة 8 صباحًا. لذا، قرر مجمع اللغة تبسيط المصطلح إلى “تسعيني” (مأخوذ من جذر س.ع.ى بمعنى سعى وراء الحياة ولم يجدها)، والجمع “تسعينات”، وهم فئة جمعت بين أسوأ ظروف اقتصادية وأعلى أسعار الكنافة!
التسعيني هو كائن غريب الأطوار، يبدو وكأنه خرج من مختبر لتجارب فاشلة على البشر، حيث كان العلماء يبحثون عن كيفية جمع أعلى نسبة كآبة مع أدنى طموح، ونسوا إضافة الحظ في التجربة. لا يملك الحظ، ولا المال، ولا العمل، ولا حتى خطة احتياطية. علاقاته الاجتماعية متواضعة، وعلاقاته العاطفية… حسنًا، دعنا نقول إنها تشبه شبكة الإنترنت في التسعينيات: بطيئة، متقطعة، ولا أحد يفهمها.
المفارقة المؤلمة؟ مواليد الثمانينيات تزوجوا منذ زمن بعيد، ومواليد الألفينيات صار لديهم أطفال ينادون التسعيني بـ”عمو” و”خالتو”. أما التسعيني، فبين تطبيق وآخر يطارد سراب علاقة، يراجع البروفايلات وكأنه يحل واجب رياضيات، وبينما الجميع يبحث عن الحب، هو يبحث عن سبب الرفض الأخير الذي كان على الأرجح: “آسف، أنت لطيف جدًا!”
التسعيني ليس مجرد شخص، إنه فصل دراسي من الحياة، يحمل شهادة خبرة في “التنفس العميق” و”المضي قدمًا رغم الكوارث”، لكنه لا يزال ينام على أمل أن يرن هاتفه يومًا ويقول: “لقد تم قبولك!” أو على الأقل… يجد مطعمًا يقدم خصمًا للتسعينيين على وجبات الإفطار.
وعلى سيرة التخفيضات، تخفيض “1+1 مجانًا” يؤلمه بشكل خاص، ليس لأنه يعشق التوفير، بل لأنه يذكره بأنه “1”، وفاشل حتى في الاستفادة من العرض. يقف التسعيني أمام رفوف السوبرماركت بتعبير أقرب للبكاء، متسائلًا: “ماذا سأفعل بالقطعة الإضافية؟ أقدمها للفراغ؟ أم أشتريها وأوهم نفسي أن هناك شريكًا خفيًا سيظهر ليشاركني بها؟” حتى الخصومات، تلك الهدايا الصغيرة، أصبحت تآمره بدل أن تخفف عنه!
الحياة بالنسبة للتسعيني ليست سوى حلقة مفرغة من التحديات الصغيرة والمآسي. إنها مزيج من الروتين الممل والإحباط المتكرر، حيث يتحول كل إنجاز بسيط إلى معركة وجودية، وكل لحظة تفاؤل إلى فرصة جديدة للسخرية. ومع ذلك، لا يزال التسعيني مستمرًا، بصلابة من يعرف أنه لا يملك خيارًا آخر.
يوم عادي في حياة مواطن تسعيني:
يبدأ يومه بمحاولة التفاوض مع المنبه لتأجيل المواجهة مع العالم، غالبًا ما يخسر. حين يستيقظ، يتناول إفطارًا متواضعًا من بقايا الأمس، قبل أن يجلس أمام شاشة الكمبيوتر ويرسل عشرات الطلبات دون أي رد. في محاولة لكسر الروتين، يفتح تطبيقات المواعدة، لكنه يخرج منها بجرح جديد لكبريائه. وحتى عندما يقرر الخروج، يكتشف أن نقوده بالكاد تكفي لشراء قهوة، فيعود للمنزل ليختم يومه بمحاولة مشاهدة فيلم إذا لم ينقطع الإنترنت.
هكذا تمر أيام التسعيني: مزيج من المحاولات الجادة للبقاء واللمسات الساحرة التي تجعل كل يوم مغامرة فريدة من نوعها…
ورغم كل هذا، يبقى التسعيني كائنًا استثنائيًا يحمل إرادة الصمود، ليس لأنه قوي، بل لأنه ببساطة لا يملك خيارًا آخر. في عالم لا يقدم له سوى “الخصومات المجازية”، يتعلم أن يبني دعاباته من آلامه، وأن يحول انكساراته إلى نكات ساخرة يرويها لنفسه كل ليلة. فالتسعيني، وإن بدا كأنه شخصية كوميدية من رواية مأساوية، يظل بطلًا في معركة يومية هدفها الوحيد: أن ينجو… ويبتسم، ولو قليلاً.
