تحت الظل – الحلقة الثالثة | لقاء فارس

الحلقة الثالثة
تذكّر لحظاتهما القديمة: لعبهما في الحارة، مغامرات الطفولة البريئة، الضحك دون حساب. لم يتخيّل يومًا أن يعود فارس بهذه الطريقة، حاملاً فرصة مغطّاة بالغموض والخطر.

بعد أن دخل سامر بيته وأغلق الباب خلفه، جلس على الأريكة الصغيرة، يمسك هاتفه بيد مرتعشة. كانت رسالة فارس مثل صاعقة فجّرت كل هدوءه.
فتح الرسالة مرّة ثانية، ثم ثالثة، وكأنّه يبحث عن كلمة تُخفّف شعوره بالارتباك، لكنه لم يجد شيئًا.

“رجعت مشاكل قديمة.
ضروري نشوف بعض الليلة.
قبل ما يفوت الأوان.”

تنفّس سامر بعمق. عيناه تبحثان عن أي أثر من يومه الطبيعي، لكنه أدرك أنّ هذا اليوم لم يعد طبيعيًا بعد الآن.
كل شيء في داخله صار متوتّرًا: الفضول، الخوف، ذكريات الماضي، والأسئلة التي لم يجد لها إجابات.

وقبل أن يتمكّن من التفكير أكثر، سمع طرقًا على باب الشقة.

فتح الباب… ووجد فارس واقفًا هناك. الشخص نفسه الذي عرفه منذ الطفولة، لكن مع خطوط دقيقة جديدة على وجهه، نظرة أكثر حدّة، وأسلوب أكثر ثقة.

  • سامر!
    قال فارس بابتسامة عريضة، لكنها لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة يختبئ خلفها شيء غامض.
  • فارس… شو… شو اللي جابك هون؟

دخل فارس الشقة بسرعة، وكأنّه يعرف أنّه لن يبقى طويلًا. جلس على الكرسي المقابل، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ الحديث.

  • أنا ما جئت أزورك للذكريات يا صديقي. جئت… لأقترح عليك شغلة.
  • شغلة؟ شو شغلة؟

شعر سامر بارتباك داخلي، لكنه حاول أن يبدو هادئًا.

  • شغلة بسيطة… سهلة… بتدفع مصاري بسرعة… وما حد رح يعرف.

ابتسم فارس ابتسامة غامضة، وبدأ يشرح، لكن بطريقة ملفوفة بالكلمات المطمئنة التي تهدف إلى كسب الثقة.

  • في شغلة صغيرة… بس محتاجة شخص يكون دقيق… شخص زيّك.
  • زيّي… يعني شو؟
  • يعني توصل أغراض… ما في فيها مخاطرة… بس مصاريها ممتازة. ثلاثة أيّام وتخلص.

رفع سامر حاجبه. الشكّ حاضر، لكن الفضول كان أقوى.

  • توصيل أغراض؟ أنا؟
  • آه… بس مو أي أغراض. شغلة خفيفة، ما رح تلمسك، وما رح تسأل عن شيء… بس رح تشوف المصاري فورًا.

جلس سامر صامتًا، يحاول أن يوازن بين الخوف والطمع، بين الذكريات القديمة وشعور المغامرة الذي غاب عنه طويلًا.

لاحظ فارس تردّده، فابتسم بذكاء.

  • اسمع… أنا ما رح أضغط عليك. بس صدّقني، هالفرصة مش كل يوم بتجي. وإذا رفضت… رح تندم.

نظر سامر إلى الأرض، إلى كيس الخبز الذي بقي على الطاولة منذ الصباح، ثم إلى أمّه التي دخلت المطبخ وتنظر إليه من بعيد.

  • بس… كيف؟ مش بصير شي لو صارت أي غلطة؟

هزّ فارس رأسه بثقة.

  • كل شيء محسوب. ما في أي خطر. بس محتاج شوية تركيز وذكاء… وهدوء.

جلس سامر يفكّر. حياته كانت سلسلة من الأيام الروتينية: عمل ممل، راتب لا يكفي، ضغوط بيت، وعلاقة متوتّرة مع أبيه. كل شيء يذهب للفواتير ومحاولات البقاء.

وهنا، عرض فارس بدا كفرصة، لا لتغيير يومه فقط، بل لتغيير حياته، ولو جزئيًا.

  • سامر… فكّر فيها كخطوة صغيرة… تجربة. لو نجحت، رح نشوف بعدها شغلات أكبر… بس خطوة خطوة.
  • خطوة… خطوة على أي طريق؟
  • طريق المال يا صديقي… طريق المال السريع.

ابتلع سامر ريقه.
الكلمات دخلت قلبه كسهم، سهل، مؤلم، وخطير.

لاحظ فارس أثرها، فقال بهدوء:

  • مش لازم تقول نعم فورًا. بس اعطيني وعد… تفكّر فيها لليلة وحدة، ونلتقي بكرا الصبح.

وقف سامر، شعر بثقل غير مفسَّر في صدره.

  • تمام… أفكّر.
  • تمام… بس لا تنسى، الفرص ما بترجع.

خرج فارس من الشقة، وأغلق الباب خلفه ببطء.
بقي سامر واقفًا مكانه، قلبه يدق بسرعة، وعقله يركض بين الذكريات، الخوف، والطمع.

جلس على الأريكة مرّة أخرى، وأخذ نفسًا عميقًا.
تذكّر لحظاتهما القديمة: لعبهما في الحارة، مغامرات الطفولة البريئة، الضحك دون حساب. لم يتخيّل يومًا أن يعود فارس بهذه الطريقة، حاملاً فرصة مغطّاة بالغموض والخطر.

أمسك سامر رأسه بين يديه، وشعر بقلق لم يعرفه منذ زمن.

  • هل فعلًا بقدر أعمل هالشغلة؟
  • هل فعلًا ما رح أضرّ حالي؟
  • وشو رح يصير لو انكشف كل شيء؟

وفي داخله، كان يعرف أنّ هذا العرض ليس عاديًا.
إنه بوابة…
بوابة إلى عالم مختلف.
عالم المال فيه أسرع، لكنه أغلى.
عالم… تحت الظل.

غابت الشمس، وبدأ الظلام يتسلّل إلى الشقة، يغطّي الجدران القديمة.
جلس سامر صامتًا، يستمع إلى صوت قلبه وهو ينبض بقوّة، ويشعر بشيء جديد يولد داخله: المخاطرة.

في تلك اللحظة، بدأت الحياة البسيطة التي عرفها تتغيّر.
خطوة صغيرة، لكنها خطيرة.
خطوة واحدة من سامر…
نحو فارس.
نحو شيء أكبر، مظلم، وجاذب في الوقت نفسه.

كان يعرف، ولو بشكل غامض، أنّ القرار الذي سيتّخذه الليلة…
سيغيّر كل شيء.

تحت الظل – الحلقة الثالثة | لقاء فارس
تحت الظل – الحلقة الثالثة | لقاء فارس

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق