كان الليل ثقيلًا على صدر سامر.
ليس لأنّه مظلم، بل لأنّه صار يعرف ماذا يُخفي الظلام.
جلس في غرفته، ضوء المصباح الخافت ينعكس على الجدار بلون شاحب. هاتفه على الطاولة، صامت، لكنّه كان يعرف أنّ هذا الصمت مؤقّت. منذ الفصل الأخير مع فارس، لم يعد الصمت راحة… صار إنذارًا.
الوجه الذي رآه في فارس لم يكن جديدًا تمامًا، لكنه الآن صار واضحًا بلا أقنعة. لم يعد ذاك الصديق الذي دخل معه أوّل مرّة بحجّة “فرصة”، بل شخصًا يراقبه، يختبره، ويضغط عليه من حيث لا يشعر.
وسامر… صار يعرف أنّ التراجع لم يعد خيارًا.
رنّ الهاتف أخيرًا.
رقم غير محفوظ.
ردّ.
- سامر… جهاد بدّه يشوفك.
الصوت هادئ، بلا مقدّمات.
لا “كيفك”، ولا “جاهز”.
أمر فقط.
أغلق الهاتف ونهض ببطء. نظر حوله في الغرفة: سريره، خزانته، صور قديمة معلّقة على الحائط، صورة له وهو صغير مع إخوته. للحظة، شعر أنّ كل هذا ينتمي لحياة أخرى… حياة كان فيها مجرّد شاب يحلم، يخطئ، ويحب.
ارتدى جاكيته وخرج. مرّ من الصالة، أمّه جالسة تحاول تهدئة إخوته الصغار، وأبوه يغيّر القنوات بعصبية خفيفة. لا أحد لاحظ شيئًا.
وهذا ما كان يؤلمه أكثر: أنّ حياته انقسمت، وهم لا يرون إلّا النصف الآمن.
ركب سيارته وساق نحو العنوان الذي صار يحفظه أكثر من بيته.
بيت جهاد.
البيت كان هادئًا بشكل مريب. لا أصوات، لا حركة واضحة، فقط حارس عند الباب أشار له بالدخول.
دخل سامر، وقلبه يدقّ بثبات غريب.
ليس خوفًا هذه المرّة… بل استعدادًا.
جهاد كان جالسًا في مكانه المعتاد. الجلسة نفسها، الهدوء نفسه، والنظرة التي تجعلك تشعر أنّك مكشوف حتّى لو لم تنطق بكلمة.
- اقعد.
جلس سامر.
ظلّ جهاد صامتًا ثواني طويلة، ينظر إليه كأنّه يعيد تقييم قطعة شطرنج، لا إنسان.
- بتعرف شو الفرق بين اللي بيشتغل… واللي بيدير؟
سأله فجأة.
هزّ سامر رأسه ببطء:
- اللي بيدير… ما بيشيل بإيديه.
ابتسامة خفيفة مرّت على وجه جهاد.
- غلط. اللي بيدير… بيشيل بالناس.
سكت لحظة، ثم أكمل:
- وإنت… صرت جاهز لهالمرحلة.
الجملة وقعت على سامر بثقل.
لم تكن ترقية عاديّة، بل انتقالًا إلى عالم أعمق… وأخطر.
- من اليوم، شغلك مش بس توصيل. بدي واحد يفهم الصورة كاملة. مين يدخل، مين يطلع، وين تتحرّك البضاعة، ومتى.
شعر سامر بشيء يتحرّك داخله.
خوف؟ نعم.
لكن كان هناك إحساس آخر… إحساس بالسيطرة لأوّل مرّة.
- فارس رح يضل معك… بس مش فوقك.
نظر سامر إلى جهاد مباشرة.
لأوّل مرّة، لم يشعر أنّه تحت فارس.
تغيّرت نبرة جهاد:
- بس اسمعني منيح. أي غلطة… رح تكون باسمك.
خرج سامر من البيت وهو يعرف أنّ حياته تغيّرت رسميًا.
لم يعد مجرّد منفّذ.
صار حلقة مركزيّة.
في الأيّام التي تلت، دخل عالمًا جديدًا.
اجتماعات قصيرة، أماكن مختلفة، رجال لا يضحكون، كلام قليل، وأرقام أكثر.
صار يعرف أسماء مستودعات، طرقًا بديلة، أوقات حركة الدوريات.
صار هو من يقرّر من يخرج ومن ينتظر.
والغريب؟
أنّه كان جيّدًا في ذلك.
قدرته على الملاحظة، على الربط، وعلى قراءة الناس… كلّها كانت تعمل بكفاءة.
ومع كل عملية ناجحة، كان يشعر بأنّ الثقل يخفّ قليلًا… كأنّه يتعوّد.
فارس كان موجودًا، لكنّه تغيّر.
أقلّ كلامًا، وأكثر مراقبة.
صار لا يعطي أوامر مباشرة، بل يختبره بأسئلة:
- ليش اخترت هالطريق؟
- ليش غيّرت التوقيت؟
وكلّما كان قرار سامر صحيحًا، كانت نظرة فارس تزداد سوادًا.
مرّة، بعد عمليّة كبيرة نجحت بلا مشاكل، جلسا في السيارة.
قال فارس بصوت منخفض:
- ما توقّعت توصل لهون بهالسرعة.
ردّ سامر بهدوء:
- ولا أنا.
لكن في داخله، كان يعرف أنّ هذا التقدّم له ثمن.
في البيت، صار أكثر صمتًا.
ليان لاحظت.
سألت أكثر… وصدّقت أقل.
- سامر… إنت مش معي حتّى وانت جنبي.
قالتها مرّة، وكانت أوجع من أي تهديد.
لم يعرف ماذا يجيب.
كيف يحكي عن عالم لو انفتح حرف منه، قد يدمّر الجميع؟
وفي أحد الأيّام، استدعاه جهاد مرّة أخرى.
لكن هذه المرّة… لم يكن وحده.
في الغرفة ثلاثة رجال.
الجميع ينظر إلى سامر باهتمام.
قال جهاد ببساطة قاتلة:
- من اليوم، هاي العمليات تحت إدارتك.
خرائط، جداول، أسماء، تواريخ.
هناك، رأى سامر حجم الشبكة الحقيقي.
وفهم الحقيقة المرعبة:
لم يعد ترسًا…
صار العمود.
وفي الليلة نفسها، وهو في طريق العودة، لاحظ سيارة تتبعه.
السرعة نفسها، المنعطفات نفسها.
شدّ قلبه.
غيّر الطريق.
غيّرت معه.
لأوّل مرّة، خطر في باله اسم واحد بوضوح:
نادر.
المحقّق الذي كان مجرّد ظل…
صار الآن خطرًا حقيقيًا.
وصل البيت، دخل بسرعة، وأغلق الباب خلفه.
جلس على السرير، أنفاسه متسارعة.
هو الآن في المنتصف.
جهاد فوقه.
فارس بجانبه، لكن عيونه عليه.
نادر في الخارج، يجمع الخيوط.
وليان… بعيدة، من دون أن تعرف لماذا.
فهم سامر أخيرًا معنى “إدارة العمليات”.
ليست إدارة الشغل فقط،
بل إدارة الخوف،
وإدارة الناس،
وإدارة الأكاذيب،
وإدارة نفسه… قبل أن يضيع.
وكان يعرف، في قرارة قلبه،
أنّ المرحلة القادمة…
لن تسمح له أن يبقى إنسانًا كاملًا.
