تحت الظل – الحلقة السابعة والعشرون | انهيار الشبكة

الحلقة السابعة والعشرون
جهاد تحرّك أولًا. أشار لفارس بإيماءة قصيرة، مفهومة بينهم دون كلام. فارس فهم الرسالة فورًا، وابتسم تلك الابتسامة التي لم تعد تحمل أي أثر للصداقة القديمة.

الليل لم يعد ليلًا عاديًا.
كان ثقيلًا، خانقًا، كأنه يعرف أن شيئًا كبيرًا على وشك الانفجار.

سامر وقف تحت المطر، جسده يرتجف ليس من البرد، بل من القرار الذي اتخذه. الكلمات التي قالها قبل دقائق ما زالت ترنّ في أذنيه:

  • رح أواجه… كل شيء.

لم يعد هناك طريق خلفه. كل خطوة للأمام كانت اقترابًا من النهاية… أيًّا كانت.

جهاد تحرّك أولًا. أشار لفارس بإيماءة قصيرة، مفهومة بينهم دون كلام. فارس فهم الرسالة فورًا، وابتسم تلك الابتسامة التي لم تعد تحمل أي أثر للصداقة القديمة.

  • خلص، نروح عالمكان الأخير.
    قال فارس وهو يفتح باب السيارة.

سامر لم يسأل.
كان يعرف أن “المكان الأخير” يعني اجتماع الشبكة، العقدة التي إذا انكسرت… ينهار كل شيء.

السيارة انطلقت وسط المطر. الشوارع شبه فارغة، أضواء الإشارات تنعكس على الزجاج الأمامي مثل خطوط حمراء متكسّرة. ليان جلست في الخلف، صامتة. لم تنظر إلى سامر، لكن وجودها كان أثقل من أي كلام.

داخل رأس سامر، كان شيء آخر يتحرك.
نادر.

المحقق نادر لم يكن مجرد ظل بعد الآن. سامر يعرف أن كل خطوة من هذه الرحلة مرصودة، وأن الحركة غير المحسوبة التي ارتكبها سابقًا فتحت بابًا لم يُغلق. الملف الأسود لم يكن وحده في المعركة.

وصلوا إلى المبنى.
مستودع ضخم على أطراف المدينة، مهجور من الخارج، لكن الحياة كانت تعج داخله. سيارات متوقفة بترتيب دقيق، حراس عند المداخل، كاميرات تتحرك ببطء. شبكة كاملة… تعمل كأنها لا تُقهر.

دخلوا.
جهاد تقدّم أولًا، حضوره يفرض الصمت. رجال كُثر وقفوا احترامًا، لكن سامر لاحظ شيئًا جديدًا… نظرات القلق.

الشبكة كانت تشعر بالخطر، حتى لو لم تعترف.

في الداخل، غرفة واسعة، طاولة طويلة، خرائط، أجهزة، شاشات.

فارس وقف بجانب الطاولة، نظر إلى سامر نظرة لم تكن ودّية ولا عدائية… بل نهائية.

  • هون، نخلص كل شي.

سامر تقدّم خطوة. قلبه يدق بقوة.

في هذه اللحظة تحديدًا، اهتز هاتفه في جيبه.
رسالة واحدة.
رقم غير محفوظ.

نادر:

  • نحن جاهزون، خمس دقائق.

لم يرد.
لم يحتج.
عرف أن العدّ التنازلي بدأ.

جهاد جلس على رأس الطاولة. صوته خرج ثابتًا، لكنه لم يعد مطمئنًا كما في السابق.

  • صار في ضغط. في تحرّكات. في ناس عم تخاف.

نظر مباشرة إلى سامر.

  • والسبب… إنت.

ساد الصمت.

سامر رفع رأسه، وصوته خرج أخيرًا هادئًا على غير المتوقع:

  • يمكن. أو يمكن السبب إنو الشبكة مبنية على خوف… وكل خوف له نهاية.

فارس ضحك، ضحكة قصيرة حادة.

  • لساتك بتحكي فلسفة؟ بعد كل اللي صار؟

سامر التفت إليه.

  • أكتر واحد علّمني إنو ما في صداقة بهالعالم… كنت إنت.

تغيّر وجه فارس.
لم يبتسم هذه المرة.

قبل أن يتكلم، دوّى صوت بعيد…
صفارات.

ليست سيارة واحدة.
ولا اثنتين.
عشرات.

تجمّد المكان.

جهاد وقف فجأة.

  • إطفوا الأنظمة! سكّروا المخارج!

لكن الأوان كان قد فات.

الأبواب الخارجية انفجرت دفعة واحدة.
صوت الأقدام، الصراخ، أوامر الشرطة، كل شيء اندفع كالسيل.

  • شرطة! الكل عالأرض!

نادر دخل بنفسه.
لم يكن يصرخ.
كان هادئًا، دقيقًا، وعيناه تمسحان المكان بسرعة.

وقعت الشبكة خلال دقائق.
رجال حاولوا الهرب، آخرون رفعوا أيديهم، بعضهم قاوم… لكن النظام كان أكبر، محكمًا، بلا ثغرات.

سامر لم يتحرك.
وقف مكانه، يراقب كل شيء ينهار كما لو كان حلمًا ثقيلًا ينكسر.

جهاد حاول التقدّم، صوته غاضب:

  • سامر! شو عملت؟!

سامر نظر إليه.
لأول مرة، لم يشعر بالخوف.

  • الحقيقة… اللي كان لازم تطلع من زمان.

نادر اقترب من جهاد، وأخرج الأصفاد.

  • جهاد، أنت موقوف. تهريب، تنظيم إجرامي، غسل أموال.

جهاد التفت إلى سامر، وعيناه اشتعلتا.

  • أنا صنعتك!

سامر رد بهدوء موجع:

  • وأنا اخترت أوقف قبل ما تصنعني نسخة منك.

الأصفاد أُغلقت.

في زاوية الغرفة، فارس كان يحاول الانسحاب بهدوء.
خطوة… خطوتين…

  • فارس.

صوت نادر.

تجمّد.

  • ما في داعي تهرب. كل شيء مسجّل. تعاونك إلنا… ما أنقذك.

فارس التفت ببطء، ونظر إلى سامر.
في تلك النظرة، كان كل شيء: الخيانة، الغضب، الخسارة.

  • كنت تقدر تضل معي… نطلع سوا.

سامر هز رأسه.

  • إنت اخترت النهاية قبل ما أنا أختار.

حاول فارس الحركة فجأة…
لكن أحد الضباط طرحه أرضًا بقوة.

انتهى.

ليان كانت واقفة قرب الجدار، تبكي بصمت.

سامر اقترب منها ببطء.

  • أنا آسف… بس كان لازم.

نظرت إليه.
لم تقل شيئًا.
لكنها لم تبتعد.

نادر اقترب من سامر أخيرًا.

  • ملفك… معقّد. بس الحقيقة إنك كنت نقطة الانهيار.

سامر تنفّس بعمق.

  • يعني… خلص؟

نادر نظر حوله.
رجال مكبّلون، أجهزة مصادرة، شبكة سقطت بالكامل.

  • للشبكة؟ نعم.

ثم أضاف:

  • إلك؟ لساتها البداية.

خرجوا من المبنى.
السماء بدأت تفتح. المطر خفّ.

المدينة بدت مختلفة… كأنها استعادت نَفَسها.

سامر وقف تحت الضوء، يشعر لأول مرة منذ زمن طويل أن الحمل على صدره خفّ… ولو قليلًا.

جهاد أُخذ بعيدًا.
فارس انتهى.
والشبكة… لم تعد موجودة.

لكن سامر؟

سامر كان واقفًا عند بداية حياة جديدة…
لا يعرف إن كانت أسهل،
لكنها على الأقل… حقيقية.

تحت الظل – الحلقة السابعة والعشرون | انهيار الشبكة
تحت الظل – الحلقة السابعة والعشرون | انهيار الشبكة

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق