تحت الظل – الحلقة الخامسة والعشرون | الخيانة الكبرى

الحلقة الخامسة والعشرون
لم يصدق سامر عينيه. صديقه؟ هذا الشخص الذي عرف كل أسراره، كل المخاوف، كل لحظاته الضعيفة… هذا الذي ظن أنه سندًا له، أصبح مصدر تهديد، وحائلًا بينه وبين النجاة. قلبه خفق بشدة، وكل الدماء، وكل الضغوط، وكل المشكلات التي عاشها في الأشهر الماضية صارت تضغط عليه دفعة واحدة.

الليل كان قاتمًا، والمدينة نائمة بصمت ثقيل، كأن كل شارع وكل زقاق يختبئ فيه سر ينتظر أن يُكشف. سامر جلس على حافة سريره، رأسه مغطى بالعرق، عيناه مثبتتان على الملف الأسود الذي أمامه. كل اسم فيه، كل عملية، كل توصيلة… كانت وكأنها خيوط شبكة ضخمة تمتد من الماضي إلى الحاضر، وتمتد إلى المستقبل.

لكنه لم يكد يتنفس بارتياح حتى ظهرت الرسالة.

اهتز الهاتف على الطاولة، وسمع صوت الإشعار. فتحه بسرعة، ليجد رسالة من شخص لم يتوقع أن يكون مصدر تهديده هذه المرة… صديقه القديم، رفيق شبابه منذ أيام المدرسة، الشخص الذي كان يثق به أكثر من أي شخص بعد ليان:

“سامر… لازم تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان. كل خطوة منك مراقبة.”

لم يصدق سامر عينيه. صديقه؟ هذا الشخص الذي عرف كل أسراره، كل المخاوف، كل لحظاته الضعيفة… هذا الذي ظن أنه سندًا له، أصبح مصدر تهديد، وحائلًا بينه وبين النجاة. قلبه خفق بشدة، وكل الدماء، وكل الضغوط، وكل المشكلات التي عاشها في الأشهر الماضية صارت تضغط عليه دفعة واحدة.

جلس سامر على الأرض، ساقاه متقاطعتان، رأسه بين يديه. لم يشعر بهذا الشعور من قبل؛ مزيج من الغضب، والخوف، والخيانة، والصدمة. كل ذكريات التعاون مع هذا الصديق، كل المرات التي ضحكوا فيها معًا، كل المرات التي وثق فيه… تبخرت في لحظة. كل شيء أصبح مجرد وهم.

تذكر ليان، وجهها الذي كان النور الوحيد في حياته، وابتسامتها، وكل مرة كانت تصدق كلامه، وكل مرة كان يخفي عنها الحقيقة… الآن أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا. فارس لم يكن متورطًا بشكل مباشر في هذه الخيانة، لكن وجوده مع ليان أصبح نقطة قوة مزدوجة: ليان تمثل القلب والضمير، وفارس يمثل الخطر الذي يمكن أن يضغط على سامر في أي لحظة.

تسمرت أنفاسه. حاول أن يهدأ، لكنه شعر أن الأرض تدور تحت قدميه. كل خطوة وكل حركة كان يخطوها في هذا العالم أصبحت الآن تحت مراقبة شخص يعرفه، شخص كان يجب أن يكون حليفه. كل كلمة، كل قرار، كل توصيلة… كانت الآن فخًا محتملًا.

تذكر أول مرة سلّمه هذا الصديق حقيبة. كيف بدا كل شيء بسيطًا في البداية… مجرد مهمة صغيرة، لكنها كانت بداية الطريق نحو الظل، نحو عالم أكبر وأخطر. كل خطوة صغيرة كانت ترفع سقف التوقعات، وكل نجاح جعله يشعر بأنه جزء من شيء أكبر… لكنه لم يكن يعرف أن الصديق نفسه كان يخطط لخيانته منذ البداية.

وقف سامر فجأة، قلبه يدق بسرعة. كل ما فعله في الشهرين الماضيين كان تحت إشراف صامت، وكل عمل ناجح أو فشل صغير كان يُسجَّل ويُراقَب. هذه الخيانة لم تكن مجرد اختبار، بل كانت صفعة قوية قلبت كل المعايير التي عرفها سامر في حياته.

خرج سامر من غرفته. المطر يهطل بغزارة، وصوت قطرات الماء على الزجاج كأنه توقيع على كل لحظة غضب، وكل لحظة خوف، وكل لحظة قرار حاسم. وصل إلى المكان الذي كانوا يتفقون على الالتقاء فيه عادة، مكان بعيد عن أعين الجميع، زقاق مظلم تحت الضوء الخافت لمصابيح الشوارع.

هناك، كان صديقه ينتظره، واقفًا تحت المطر، وجهه يعكس البرودة والبرود الداخلي. لم يقدر سامر على الكلام مباشرة، فكل نبضة قلب كانت تشده للخلف.

ابتسم الصديق ابتسامة قصيرة باردة، وقال:
“سامر… كنت فاكرني صديقك، صح؟ كل لحظة قضيناها معًا… كنت أراقبك، وكنت أعرف كل شيء.”

شعر سامر بغصة عميقة. لم يصدق نفسه. كل خطوة وثقة وضعها في هذا الصديق كانت مجرد وهم. كل ما اعتقد أنه يعرفه، وكل المرات التي أعطاه فيها ثقته… كانت مجرد واجهة لخيانة كبيرة.

حاول سامر أن يرفع صوته، أن يصرخ، أن يوجه لومه:
“كيف تقدر تعمل هيك؟ كل شيء بيننا… كل شيء بنيناه… كل اللي عرفته عني؟”

رد الصديق بنبرة هادئة وقاسية:
“العالم ما فيه صحاب… بس فيه مصالح. وانت مجرد لاعب صغير… وأنا اللي أتحكم باللعبة الآن.”

شعر سامر بالصدمة. كل شيء انهار من حوله. تذكر ليان، وجهها الذي كان الأمان الوحيد في حياته، وكل كذبة أخفاها عنها… كل شيء أصبح على المحك. أي خطوة خاطئة يمكن أن تبعدها عنه إلى الأبد.

فجأة، ظهرت ليان من بعيد، واقفة تحت المطر، وعيناها موجهتان نحو فارس الذي كان يراقب من زاوية أخرى. نظراتها المختلطة بين القلق، والحب، والخوف جعلت قلب سامر يتمزق. هذا المشهد لم يكن مجرد صدمة عاطفية، بل أصبح أداة ضغط قصوى عليه. كل خيانة، وكل تهديد، وكل كذب… أصبح حاضرًا أمامه، في حياته الواقعية.

تقدم سامر نحوها، صوته مختنق لكنه حاد:
“ليان… إنتِ بخير؟!”

أجابت بهدوء، لكن بنبرة تحمل الإحباط:
“سامر… ليش كل هالسرية؟ ليش كل هالبعد؟ ليش صار فيك هالغياب عني؟”

قبل أن يرد، عاد الصديق، هذه المرة بحركة أكثر تهديدًا، وكأن كل شيء أصبح لعبة قاسية:
“سامر… إذا بدك تعيش، اتبع التعليمات. كل خطوة غلط… رح تدفع ثمنها.”

شعر سامر بالغضب يتصاعد داخله، لكن عقله كان يحاول السيطرة على عاطفته. كان يعلم أن أي حركة متهورة الآن ستضعه في موقف لا يمكن الخروج منه. كل خطوة، كل كلمة، كل نفس… محسوب.

جلس سامر، أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ حوارًا داخليًا مع نفسه:
“لازم أفكر… لازم أفهم… لازم أستخدم كل شيء ضدهم. ليان… فارس… الصديق… كل شيء.”

انتهى الليل، لكن الخيانة الكبرى لم تنتهِ. لم تكن مجرد لحظة… بل كانت درسًا صارخًا: في هذا العالم، لا أحد موثوق، والأمان مجرد وهم، وكل قرار يمكن أن يكون الفرق بين الحياة والموت.

عاد سامر إلى البيت، كل خطوة ثقيلة، كل نفس محسوب، وكل فكرة عن ليان، وعن الملف الأسود، وعن جهاد، وعن فارس نفسه… كلها أصبحت جزءًا من خطة جديدة للبقاء، للبقاء على قيد الحياة وسط خيانة الجميع.

والآن، عليه أن يخطط للمستقبل بعقل حاد، وقلب بارد، ونفس ثابتة.

تحت الظل – الحلقة الخامسة والعشرون | الخيانة الكبرى
تحت الظل – الحلقة الخامسة والعشرون | الخيانة الكبرى

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق