غسان كنفاني، الروائي والصحفي الفلسطيني البارز، يُعد من أعظم الكتاب العرب في القرن العشرين. ولد في مدينة عكا عام 1936 وعاش في يافا حتى عام 1948 عندما أجبر الاحتلال الصهيوني عائلته على النزوح. عاشت العائلة في جنوب لبنان لفترة قصيرة، ثم استقرت في دمشق، حيث واجه غسان طفولة قاسية ألهمته فيما بعد لتقديم أعمال أدبية خالدة جسدت معاناة اللاجئين الفلسطينيين.
تميز غسان كنفاني بمسيرته التعليمية المتنوعة التي شملت دراسة الأدب العربي في جامعة دمشق. بدأ حياته المهنية في التدريس، حيث عمل في مدارس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين، قبل أن ينتقل إلى الكويت للعمل في مجال التعليم والصحافة. كانت تلك الفترة حاسمة في تطوير مواهبه الأدبية، حيث كتب قصته الأولى “القميص المسروق”، التي حازت على جائزة أدبية مهمة، مما مهد الطريق لمسيرته الأدبية الغنية.
في عام 1960، انتقل غسان إلى بيروت، حيث عمل في الصحافة الأدبية والسياسية. ترأس تحرير عدة صحف ومجلات، منها مجلة “الحرية” وصحيفة “المحرر”، وأسس مجلة “الهدف”، التي أصبحت منبراً رئيسياً للتعبير عن القضية الفلسطينية. ترك بصمة مميزة في مجال الصحافة والثقافة، وكان من أوائل من سلط الضوء على شعراء المقاومة الفلسطينية وقدمهم إلى العالم العربي.
أعمال غسان كنفاني الأدبية تعكس معاناة الفلسطينيين وتجاربهم تحت الاحتلال. روايات مثل “رجال في الشمس” و”عائد إلى حيفا” و”أرض البرتقال الحزين” تُعد من أبرز إبداعاته. رواية “رجال في الشمس” على وجه الخصوص، أصبحت رمزاً للضياع الفلسطيني بعد نكبة 1948، وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي بعنوان “المخدوعون”. كما أن رواية “عائد إلى حيفا” كانت استشرافاً مبكراً لفكرة العودة الفلسطينية.
تميز غسان كنفاني بتنوع إبداعاته، حيث كتب للأطفال قصصاً مميزة مثل “القنديل الصغير”، التي تعكس الرمزية الفلسفية والمثابرة في مواجهة التحديات. كان يرى في الأطفال مستقبل فلسطين، وسعى لتجسيد هذا الإيمان في أعماله الأدبية، التي ترجمت إلى أكثر من 16 لغة، ونُشرت في العديد من الدول حول العالم.
على الرغم من عمره القصير، حيث استشهد في انفجار سيارة مفخخة عام 1972، إلا أن إرث غسان الأدبي لا يزال قائماً بقوة. ترجماته إلى لغات مختلفة وانتشار أعماله في المسرح والإذاعة عززت مكانته كأحد أعمدة الأدب الفلسطيني والعربي. كان اغتياله استهدافاً رمزياً للقضية الفلسطينية، لكنه في المقابل كرّسه رمزاً للنضال الوطني والثقافي.
عُرف غسان بقدرته على الجمع بين الإبداع الفني والالتزام السياسي. كتابه “في الأدب الصهيوني” يُعد دراسة جادة سلطت الضوء على أيديولوجية الأدب الصهيوني، مما أظهر عمق رؤيته الفكرية. كما أن رواياته “ما تبقى لكم”، و”أم سعد”، و”العاشق” عكست تجليات الفقد والأمل في حياة الفلسطينيين.
غسان كنفاني لم يكن مجرد كاتب، بل كان شعباً في رجل، وصوتاً للنضال الفلسطيني على المستوى الأدبي والثقافي والسياسي. إرثه الأدبي الخالد يجعلنا ندرك أن الأدب يمكن أن يكون أداة نضال وقوة دافعة نحو التغيير. ستظل أعماله نبراساً يُضيء طريق الأجيال القادمة، ويُذكّرنا بأن الكلمة تستطيع أن تكون أقوى من السلاح.
