تسردُ “كائنٌ لا يعوَّل عليه” المحاولات المُستمرة التي يجد المرء فيها نفسه في خضم أزمة وجودية تُطالبه بالإجابات بصورة مُستمرة، فيشعر بالغضب والسخط يتنامى في نفسه على مظاهر الاعوجاج من حوله، غير أنه لا يجد سبيلاً لفهم ما يعتريه والتعامل معه، بل يتعين عليه عيش اضطرابه وحيداً حتى تحلُّ عليه الصدفة وتحاول نجدته.
تتحدث الرواية عن مصطفى، سائق سيارة الأجرة في مدنية نابلس في فلسطين، وعن محاولته الأخيرة في فهم نفسه وتعقيدها، وفكِّ العقد النفسية التي ورثها عن محيطه في حياته، وفي محاولة الفهم هذه، نراه يخوض حوارات جمة مع نفسه وعلى دفتره وتحت عين رقيبه الداخلي المشوَّه، ليتمكن من الخروج بمقولات نفسية وفلسفية تخص شأنه وحياته الخاصة.
تتخذ الرواية الطابع النفسي والفلسفي في السرد والحوار، وتتناول الجانب الفلسفي الحميمي من مصطفى والذي يختص بشؤون حياته، ففي كل فصلٍ مناقشة لجانب ما، وطرح لفكرة راودت ذهنه فذهب بها بعيداً.
سيتابع القارئ محاولات مصطفى المستمرة لفهم نفسه ورؤية الحياة حوله، وذلك عبر تلك الدائرة الشفافة التي تحيطنا بها ذواتنا فتجعلنا نرى العالم من خلالها، فيرى مصطفى محيطه بعدسة الأفكار التي تراوده والتعقيد النفسي الذي يبدو عاجزاً أمامه، غير مدرك للطريقة المثلى في حلِّه أو تجاوزه.
الرواية موجهة إلى من يجدون أنفسهم في الفلسفة وعلم النفس، أو الفلسفة الأقرب للجانب الشخصي منا والحميمي، إنها موجهة لمن يحاولون النجاة ممَّا فهموه.
أدناهُ، مراجعات بعض القرَّاء:
(ج. س): “إن تقييم الرواية يتجاوز قوام الحبكة وطريقة السرد، لقد تفاعلت معها بكياني كله، وقفت على حافة عقل مصطفى الذي يبدو مثل ثقب أسود يغرق به الإنسان ويفنى ثم قفزت بلا تردد، يذكرني مصطفى بذاتي القديمة، تلك التي تقمصت دور الضحية بامتياز يستحق الأوسكار لدرجة أن سخطها على المحيط ذهب لأبعد من لوم والديها على محاولات إنجابها ليصل إلى أن كل الهراء الذي نعيشه الآن كان لأن آدم لم يكبح نفسه أمام تفاحة!”
“كنت ضعيفة وساذجة أمضي وراء أفكاري مثل شخص يمشي في نومه، لكنني أفهم حال مصطفى جيداً، عندما وصلت للنهاية عرفت أن الروايات لا تقدم الحلول لكنها تمنح العزاء بسخاء، كنا على نفس القارب ذات يوم يا مصطفى، تخيل!”
“كل ما كُتب عرفته مسبقاً، رأيته بوضوح منذ اليوم الذي اخترت أن أكون فيه دمية حرة بلا خيوط، فلا أحد قادر على تطويعي أو قولبتي، صرت متمردة ثم عرفت الجانب المظلم من العالم لكنني أشحت بصري عنه كأنه لقطة مُخلّة على التلفاز، لقد اختارت الكاتبة أن تقدم الواقع بلا كلفة وبوجهه الحقيقي الصارخ بالقباحة، لم يعجبني الأمر في البداية، شعرت أن مصطفى يمعن النظر في قباحة العالم بإفراط، كان عليه أن يتجاهله منذ البداية، عالم فاسد حتى النخاع ولا يمكن إصلاحه بل إن أي محاولة إصلاح تُقابل بالنبذ والقمع، كان مصطفى يشعر بعمق المشاكل المحيطة بالعالم وهذا سر شقائه”
“لكنها وظيفة الأدب بالنهاية أن يقدم العالم كما هو في صراعه المستمر وعاداته القديمة ومبادئه المضحكة وكيانه الهزيل، لكن ما يضفي على الأمر رؤية رومنسية أنه عالم ورقي يمنحك تجربة حية خالصة فتستطيع التعلم به ومنه، نحن ندين بهذا الوعي الحادّ على شريان العالم الفاسد للقراءة”
“رواية جميلة، ممتعة، بداية موفقة، شكراً غلاء”
(س. س): “كيف نحكم على الرواية بالجمال؟ عندما نشعر بالتضامن مع الشخصيات، ونشعر بها تعكس ما في نفوسنا وتندمج فينا وبما نشعر، وهذه من الرواية التي حققت هذا الشرط، فكانت بالفعل رواية جميلة”
“إننا نتحدث عن المزاج العام في الرواية، وتفكير مصطفى، وشخصية فيينا، ووجود رامي، والفأر، وحسن، وتلك الأحداث البسيطة، كالمرأة المعنفة لابنها، رغم الحياة المثالية التي تعيشها، وحياة المرأة المبنية على البؤس والتعاسة لجهلها بما تريد، وانعدام مساءلتها لنفسها، كما نتحدث عن المرأة التي سئمت زوجها، فالتقت بمصطفى واتكأت على كتفه لتنشأ بينهما علاقة إنسانية سامية، رغم غربتهما عن بعضهما، تسامت العلاقة بينهما لمفهوم الحُب المتسامي الذي حمله كلٌ منهما”
“أحببتُ تطور العلاقة بين صيف ومصطفى، والكثير من الأشياء التي تدعو للتساؤل، كمشهد هجوم الكلاب السبعة على كلبٍ وحيد، اشتق مصطفى منه مفهوم الامتثال للنظم المجتمعية المرتبط ببحث المرء عن الأمان والسهولة، كما أحببتُ امتلاءها بالفلسفة وتغير مصطفى وتطور شخصيته عبر الرواية، أعتقد أن الفأر هنا يعكس طبيعة مصطفى السابقة والناقمة عليه وعلى الآخرين، خاصة أن بموته بدأ مصطفى يدرك وجود الآخرين حوله ويتقبلهم كجزء من محيطه”
“كان الفأر ينقم على مصطفى اجتماعيته ويحط من شأنه، ويُشعره بالاشمئزاز من نفسه، وانعدام رضاه عن ذاته وعن الآخرين، ولكن بموته تبدلت الأمور واتسعت رؤية مصطفى وأنشأ علاقات جديدة، كعلاقته مع رامي وحسن، كما اقتصرت علاقة مصطفى بفيينا باستقبال ما تمنحه من رعاية، ولكنه تعلم مع الوقت منح هذه الرعاية بنفسه إلى الآخرين، رأينا ذلك في علاقته بحسن والمرأة التي عنفت ابنها وتلك التعسة مع زوجها”
“كما تعلم تقبل نفسه وجسده، ففي البداية كان ينظر إلى نفسه فيرى تقزمه وتحوله إلى المسخ، ويشعر بالاشمئزاز من نفسه والنقمة عليها، ولكنه في النهاية غدا ينظر إلى جسده المسكين في رعاية وشفقة بعيداً عن الغضب والاشمئزاز”
“لم أستطع تقبل علاقة مصطفى بفيينا، لقد اندمجتُ بشخصيته لدرجة لم أتقبل وجود فيينا حوله، تبعاً لرؤيته وتفكيره في الحياة، والذي يرفض وجود الآخرين، فكنتُ أقرأ وجودها بشيء من الرفض، وأرتاح لتعبيره عن رفضها في بعض الأحيان، لانعدام المنطق في وجودها في حياته، كانت فيينا الاستثناء من قاعدة مصطفى، ولم أستطع تقبلها بل انزعجتُ من قربها الشديد والمقلق، لماذا لم يتبرم من وجودها؟”
“لستُ أفهم طبيعة العلاقة بينهما، ولا أرى المنطق في دخولها حياته بهذا الشكل، وربما هي الحياة بتناقضها، ربما بعض الأمور بطبيعتها غير منطقية وتدعو للتساؤل، كما تساءلتُ بدوري: لماذا هي بالذات؟”
“أعجبتني الأفكار الفلسفية التي تملأ الرواية، كفكرة جوهر المرء والعادات والتقاليد ووضع المرأة في المجتمع وعلاقة المرء بعائلته ونشر الأدب والقراءة والسياسة، ما وجدته جميلاً، هي أشبه بالمونولوج الداخلي، كان مصطفى يعرض طبيعته التعقلية عبر نظرته إلى الواقع، وهذا ما وجدته جميلاً، رغم أني وجدتُ تفكيره تشاؤمية وانتقالاته الذهنية كئيبة، أسقطت علي نظرة تشاؤمية زادتني ضنكاً وتعباً”
“أما التصوير فكان عجيباً للغاية، خاصة عندما تذكر الكاتبة فكرة وتضعها في مشهدٍ تصفه بطريقة معينة، كاللوحات ومشهد البيت والزجاج والطريق الجبلي، وكان التصوير جميلاً للغاية، لدرجة وجدتُ الرواية غريبة جداً، ذاك أن عرضها للأفكار كان فلسفياً، والأسلوب السردي كان في قالب أدبي جميل، والتصوير في المشاهد كان فنياً، فجمعت بين جمال الفكر الفلسفي والقالب الأدبي والتصوير الفني، فكان خليطاً عجيباً، جعلني أعجب من المزاج العقلي للكاتبة الذي جعلها تكتب مثل هذه الرواية”
“كانت رواية عجيبة وجميلة”
صدرت الرواية عن دار فضاءات في الأردن، سبتمبر \ 2023، وهي الآن على أبجد، قراءة مُمتعة ونافعة أتمناها لكم.
كائنٌ لا يعوَّل عليه: عن التيه وسؤال ’اللِّماذا‘
