تحت الظل – الحلقة الثامنة والعشرون | النهاية – باب مفتوح

تحت الظل – الحلقة الثامنة والعشرون | النهاية – باب مفتوح
سامر كان واقفًا عند حافة المكان، لا يعرف إن كان هذا الحاجز آخر ما يفصل بينه وبين الحرية، أم أول ما يفصل بينه وبين السقوط الكامل.

المدينة كانت صامتة على غير عادتها.
كأن الضجيج الذي عاش فيها سنين… انسحب فجأة، وترك وراءه فراغًا ثقيلًا.

سامر كان واقفًا عند حافة المكان، لا يعرف إن كان هذا الحاجز آخر ما يفصل بينه وبين الحرية، أم أول ما يفصل بينه وبين السقوط الكامل.

الهواء بارد، والسماء رمادية، مثل حياته تمامًا في هذه اللحظة.

خلفه… كل شيء انهار.

الشبكة التي كانت تبدو يومًا غير قابلة للكسر، تفككت خلال ساعات.

جهاد سقط، لا كـ “خال” ولا كـ “رجل ظل”، بل كاسم في ملف أسود، محاط بأدلة وأسرار لم يعد أحد قادرًا على دفنها.

فارس انتهى… ليس كبطل ولا كخائن ذكي، بل كشخص احترق بلعبته الخاصة، بعدما ظنّ أنه أذكى من الجميع.

وأمام سامر… كان هناك طريقان فقط.
لا ثالث لهما.

لكن قبل أن يخطو…
عقله رجع به إلى البداية.

ليس إلى الدم.
ولا إلى الشحنات.
ولا إلى ليالي الخوف.

بل إلى زمن أبسط… وأصدق.

فلاش باك

كان سامر أصغر.
وجهه أنحف، وظهره أقل انحناءً، وعيناه… لم تكونا تعرفان هذا الكم من التعب.

كان يستيقظ صباحًا، يلبس ملابسه بسرعة، يشرب قهوة أمه وهو واقف، ويخرج إلى عمله العادي.

راتب قليل… نعم.
تعب كثير… نعم.
لكن قلبه كان أخف.

كان يعود آخر النهار ويداه متسختان، ظهره موجوع، لكن ضميره مرتاح.

كان يجلس مع أبوه، يسمع شكواه عن الدنيا، ويسكت.

كان يسمع أمه تحسب الفواتير بصوت منخفض، وتحاول أن تخفي قلقها.

كان يرى ليان…
قبل أن يبدأ بالكذب.
قبل أن يصبح صوته مترددًا.
قبل أن يصير حضوره ثقيلًا.

كانت تضحك بسهولة.
وكان يضحك معها بلا خوف من سؤال مفاجئ أو رسالة غامضة.

تذكّر يوم قال له أبوه، بنبرة ليست قاسية ولا ضعيفة:

  • الرزق مش بالسرعة يا سامر… الرزق بالثبات.

وقتها ضحك.
ظنّ أن الكلام سهل، وأن الحياة لا تنتظر الصابرين.

لو بقي هناك…
لو تحمّل التعب.
لو صبر على القليل.
لو قال “لا” مرة واحدة في بداية الطريق…
لما كان هنا الآن.

لكن الحياة لا تعطي نسخًا ثانية.
تعطيك طريقًا… وإذا مشيت فيه، عليك أن تكمله للنهاية.

العودة إلى الحاضر

سامر أغمض عينيه.

الأصوات من بعيد بدأت تعود.
خطوات.
أبواب تُفتح.
أوامر تُقال.

نادر كان قريبًا.

لم يضغط.
لم يصرخ.
كان يعرف أن سامر وصل إلى المرحلة التي لا تحتاج تهديدًا.

اقترب منه، وقال بهدوء:

  • الملف كامل. اعترافك رح يخفف كثير… مش بس عليك، على ناس غيرك.

سامر ابتسم ابتسامة خفيفة، حزينة.

  • واللي ما اعترف؟

نادر نظر إليه طويلًا.

  • الهروب مش نهاية… هو تأجيل.

سامر سكت.

كان يعرف هذا.
لكنه كان يعرف أيضًا أن الاعتراف… ليس مجرد كلمات.

هو سقوط صورة كاملة، أمام أمه، أمام أبوه، أمام ليان، وأمام نفسه.

تذكّر أمه وهي تقول له:

  • الله شايفك يا ابني… حتى لو الناس مش شايفتك.

وقتها كان يهز رأسه ويمشي.
اليوم… الجملة كانت أثقل من أي حكم.

خطوة واحدة للأمام…
وخطوة واحدة للخلف.

خلفه:
قضبان، محاكم، نظرات شفقة، واسم يُقال مسبوقًا بكلمة “قضية”.

وأمامه:
مجهول، خوف، وحدة، وحياة تبدأ من الصفر… بلا اسم، بلا جذور.

رفع رأسه إلى السماء.

لم يطلب معجزة.
لم يطلب خلاصًا.
طلب فقط… أن لا يكذب على نفسه مرة أخيرة.

النهاية – الباب المفتوح

سامر تحرّك.

لكننا لا نرى اتجاهه.

نرى فقط المشهد الأخير:

  • باب مفتوح.
  • ضوء يدخل من الخارج.
  • وصوت خطوات… لا نعرف إن كانت تبتعد أم تقترب.

آخر صورة له ليست وهو يهرب…
ولا وهو يُعتقل.

آخر صورة له…
وهو يتوقف لحظة، قبل القرار.

وكأن القصة تقول:

ليس كل من سقط كان شريرًا.
وليس كل من تعب كان ضعيفًا.
لكن كل طريق مختصر… له ثمن.
وكل رزق لا يشبهك… سيبتلعك يومًا.

لو بقي سامر برزق الحلال،
لو تعب جبينه ولم يبع خوفه،
لما خسر نفسه،
ولا من أحبهم،
ولا وقف يومًا أمام باب… لا يعرف إن كان يقوده إلى الحرية أم السجن.

وهنا…
تنتهي الحكاية.

لكن السؤال يُترك لك أنت:

لو كنت مكان سامر…
أي باب كنت ستختار؟

تحت الظل – الحلقة الثامنة والعشرون | النهاية – باب مفتوح
تحت الظل – الحلقة الثامنة والعشرون | النهاية – باب مفتوح

كرم مريح
كرم مريح

كرم ليس مجرد اسم على غلاف. هو صاحب قلم وُلد من بين التجارب القاسية ليصوغ منها قوة وإنجازًا. لم يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بالكلمة ويحوّله إلى أمل. روايته الأولى ليست مجرد حكاية، بل خطوة جريئة وصوت صادق لكل من يبحث عن طريقه وسط الفوضى

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
متجر أدونيس
Logo

المزيد من النتائج

Generic selectors
المطابقات التامة فقط
البحث في العنوان
البحث في المحتوى
Post Type Selectors
منتجات
مناسبات
مقالات
مبادرات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
عربة التسوق